الكاتبه ايمان شلاش
في يوم ميلادي الأول ،أطلقت أول صرخاتي الخجولة مستغيثاً من الحياة ،لكنها لم تكن الصرخات الوحيدة بالمكان .فما مرت سوى ثواني حتى سمعت صوت صرخات أقوى وأكثر جشعاً،لم تكن صرخات طفل،بل صرخات حاكم خرج من مقره متجه إلى الحرب.كان صوت ولي العهد الذي أنتظرته العائلة منذ عشرات السنين.
جاء فهد يا أبا فهد…
هكذا سمعت صوت جدتي تقول لوالدي..
ففتحت عيونها أمي بصدمة وعقلها لا يصدق ما جرى.
العرق ينصب منها والدماء تملأ المكان،لكن ما شغلها سؤال واحد .
أ لم تقولي لي أنني سأنجب توأم ذكور؟
هكذا استقبلتني والدتي بالتأسف على عدم كوني ذكر.
فأجابتها الطبيبة : الحمدلله على سلامتك ،يبدو أن جهاز الايكو قد أخطأ. ومبارك قدومها هي وأخاها بخير وسلامة .
لم تهتم أمي لما قالته الطبيبة ،فقد كانت منشغلة بحضن أخي فهد إلى قلبها وتقبيله من كل مكان.أما أنا فلا زلت أطلق صرخاتي وبكائي ولا أحد يهتم لي.دخل والدي إلى الغرفة يركض.
هل جاء فهد؟..هل جاء فهد..؟
أجابته جدتي : نعم …لقد جاء وجاءت أخت له كالقمر.
تفاجأ والدي وانتقل بعينيه التي بدت عليها نظرة العتب والغضب إلى والدتي : أ لم تقولي أنهم توأم ذكور؟
ارتبكت والدتي وكأنها ارتكبت ذنب بولادتها أنثى: هكذا أخبرتني الطبيبة.
صرخت جدتي بهم: الذكر كالأنثى كلاهما قطعة من القلب.
ربما قالت هكذا لأنها لم تنجب بنات وكانت مشتاقة لرؤية طفلة أنثى.
ألبسوا فهد ملابس جديدة كلها رسومات جميلة،ورفضوا أن يلبسوني ثياب من كان يجب أن يكون طفلهم الذكر الآخر ،وقال : هذه الملابس كلها ستكون لفهد أما هذه البنت .تدبر أمرها أيتها الجدة.
فلفتني جدتي بعبائتها المهترئة وحضنتني إلى قلبها.
وعندما حل وقت الخروج من المشفى ،كادوا أن ينسوني في الحاضنة ،فبكائي المستمر بلا سبب ،أشعرهم بالانزعاج ،لكن لو أنهم تلمسوا بطني الفارغ لعرفوا السبب.وفي الحقيقة كانت والدتي تقوم بتقديم حليبها لفهد أما أنا فقد كانت جدتي تسقيني حليب صناعي،يجعلني استفرغ أكثر من فهد فيغضبهم حالي ويتذمرون مني .كنت أرى في مرة كان يأتي أحد ليبارك لوالدي ،نظرة الخيبة في عيون أمي،حتى أنني حُرمت من الهداية منذ صغري ،فكل من كان يأتي ليبارك بقدومنا كان يأتي بهدية للذكور ظناً منهم أنني ذكر ،كما نشرت عائلتي هذا الخبر للجميع.
وعندما كبرنا كانت ملابس أخي للمدرسة تتجدد كل عام ،أما أنا فلا أحد يبالي كانت جدتي وحدها التي تقوم بترقيع ما تمزق من ثيابي.وعندما حصلنا على شهادة الاعدادية ،كانت علامتي تضاعف علامته فأنا كنت دائماً من المتميزين في الدراسة وهو كان دوماً الفتى الكسول المدلل.
عندها نظر والدي لي بصدمة لا أنساها.
أنتِ تحصلين على درجات أعلى من أخوكِ؟
مزقت صدمته فرحتي وأهانتني درجاتي وجعلتني من ناجحة ،لسارقة .فقد سرقت بدرجاتي هذه حلم والدي الذي أراد أن تكون هذه الدرجات لفهد.دخلت أبكي في حضن جدتي الذي اعتاد على احتوائي في كل خيبة كنت أعيشها من والدي وإذ بوالدي ينده لي: اسماء…اسماء.
نعم لقد أسموني أسماء.بعد بقائي ثلاث أشهر بلا اسم أطلقت علي جدتي اسم أسماء فلم يمانع أحد أو يكترث
مسحت دموعي وهممت لرؤية أبي فقد ظننته يريد أن يبارك لي ويقول لي يا ابنتي أنا فخور بك.
لكن في الحقيقة كان الأمر مختلف ،نظر الي بحزم وقال: من اليوم لن يكون هنالك مدرسة .
فزعت عندما سمعت الخبر وانهمرت دموعي بلا توقف وصرخت روحي بتألم : لكن لماذا يا والدي؟
أجاب بكل قناعة: لأن درجات أخاكِ ضعيفة،يجب أن نحرمك من الدراسة كي نوفر مصروفك ونضع أخاكِ في مدرسة خاصة.
وهل تظن أنني بعد ما سمعته سيبقى أخي?
حاولت جدتي مراراً وتكراراً تغيير رأيه لكنه رفض ،وجعل دراستي عائق في وجه دراسة أخي.
أكمل أخي تعليمه ،والتزمت أنا المسجد وحفظ القرآن وبعد عامين توفت جدتي وتركتني وحيدة ،لم يعد هنالك أحد يسمع ألمي ووجعي .غاص العالم بمستنقع حالك الظلمة ولم يخرج منه منذ ماتت جدتي.
فشل أخي في الدراسة رغم محاولات والدي في إنجاحه.وترك التعليم وأصبح بائع دخان متجول.
أما أنا فقد تمت خطبتي ،لرجل أحببته قبل رؤيته ،وتعلق قلبي به بعد أن رأيت خوفه علي وحرصه الشديد على قلبي وحنانه الكبير لي.
وفي يوم استيقظ الجميع على صراخ في الحي.
يا أبا فهددد…لقد مات فهد…
لقد مات فهد..
خرج أبي يركض في شارع ولحقته أمي تركض حتى أنها لم تنتبه أنها خرجت بلا حجاب.
أسدلت حجابي ولحقتهم وإذ بفهد ينزف والسكين في خاصرته ويلقط أنفاسه الأخيرة ،صرخات والدي وانهيار والدتي كبلا كل الموجودين لكنني صرخت بهم أطلبوا الاسعاف.
نقلنا فهد الى المشفى وأخبرونا أنه قد تعرض لطعنة في السكين بخاصرته أدت الى تمزق الكلية ،وبعد التصوير أكتشفوا أن فهد لديه كلية واحدة هكذا خلقه الله بكلية واحدة ولأنني تؤأمه كان علي التبرع له بكليتي الثانية .
كان والدي ينظر الي وكأنها ملكهم هم من أعطوني اياها وحان وقد الاسترجاع، لم يهتموا لي فقط أخبروني أنه علي تجهيز نفسي لكي أقوم بالعملية .كان قلبي يغص ألماً فلو أنهم طلبوا مني لكنت أهديتهم روحي ليس كليتي فقط.لكنهم وضعوني تحت الأمر الواقع .دخلت العمليات،وتم التبرع لأخي بكليتي وعندما خرجت من العمليات وأثار البنج لا يزال عالق في.
سمعت صوت الشرطة كانت قادمة لتستجوب فهد ،وعرفنا بعدها أن فهد كان قد طُعن لأنه كان بمعركة من أجل فتاة
عفواً
ليست فتاة عادية ،بل فتاة ليل.
كان قد رأها في الملهى ولحقها وتحرش بها .فصاحت برجالها وضربوه.
نعم.
لقد خسرت كليتي بسبب فتاة ليل.
لكن ليست هنا المصيبة.
المصيبة أنهم أخذوا الكلية السليمة وتركوا لي الكلية المريضة وهذا ما أخبرني به الطبيب فبعد الفحص أكتشفوا أن كليتي التي بقيت تعاني من ضمور. وكانت حالتي تسوء يوم بعد الأخر.وما كان من والدة خطيبي إلا أن تأتي وتأخذ خاتم الخطوبة من أصبعي لأنني لم أعد مناسبة لإبنه .كنت طريح الفراش،الكئابة تنهش قلبي والألم يتراقص فوق جسدي.وحيدة في غرفتي ويوم حاولت الوقوف فلم أشعر سوى أن الكرة الأرضية تحولت لراقصة شرقية وبدأت تهتز في .اسعفوني إلى المشفى.
سمعت صوت الطبيب وهو يخبرهم أن حالتي الصحية تتدهور وأنني سأبقى طريحة الفراش إلا أن تنتقل روحي إلى مثواها الآخر….أنا الآن أسمع بنهايتي بأذني.أما أذني الأخرى فقد اقترب منها فهد وهمس لي : عليكِ الرحيل من هذا العالم بسرعة ،فلن أتحمل
وجودك وتكاليف علاجك إلى آخر العمر.
ضحكت عندما سمعت كلماته هذه.: أنت الذي لن تتحمل وجودي؟.
نظرت له بابتسامة صادقة: إن كان علي الرحيل فيجب أخذك معي ،وغرست ذلك المشرط الذي نساه الطبيب على الطاولة بخاصرته.
وقلت له: سأرحل لكن سأخذ كليتيّ معي.
غرست المشرط بخاصرته وشعرت ولأول مرة أنني أخذت حقي وأخيراً بعد كل هذا الوقت.
صُدم الجميع عندما رأوني أغرسه بخاصرته.
لكن لماذا صُدموا؟
ألم يكونوا هم السبب بهذا الحقد الدفين؟
وعندما بدأت أسمع صراخ والدتي ونوحها عليه .
فغرست المشرط في قلبي.
![]()
