...
IMG 20260805 WA0012

مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد

مقال اليوم رقم 12

بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد

 

 

 

في البداية تبدو الشهرة حلما جميلا يراود الكثير من الناس فأن يعرفك الجميع وأن يسمع الناس اسمك وأن يتابعوا أعمالك وأن يصبح لك تأثير في حياة الآخرين قد يبدو أمرا يستحق السعي من أجله لكن ما لا يراه كثيرون هو أن الشهرة التي تمنح الإنسان الأضواء قد تسلب منه أحيانا أشياء كثيرة لا يراها الجمهور

 

فالإنسان المشهور يعيش في مساحة مختلفة من الحياة حيث تصبح تفاصيله الصغيرة محل اهتمام الآخرين وقد تتحول حياته الخاصة إلى مادة للحديث وقد يجد نفسه مطالبا دائما بأن يظهر بصورة مثالية حتى في الأوقات التي يكون فيها متعبا أو حزينا أو يمر بأزمة لا يريد أن يعرف عنها أحد

 

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الشهرة أكثر سهولة من أي وقت مضى فقد يستطيع شخص أن يصبح معروفا خلال أيام بسبب مقطع أو موقف أو فكرة ثم يجد نفسه فجأة أمام آلاف أو ملايين الأشخاص الذين يريدون معرفة كل شيء عنه

 

لكن المشكلة أن الشهرة السريعة لا تمنح الإنسان دائما الوقت الكافي للاستعداد لها فقد يجد شخص نفسه معروفا بين الناس لكنه لم يتعلم كيف يتعامل مع النقد أو مع الشهرة أو مع فقدان الخصوصية فيبدأ في اتخاذ قرارات خاطئة فقط من أجل الحفاظ على اهتمام الجمهور

 

وهنا تتحول الشهرة من نعمة إلى عبء

 

فبعض المشاهير يصبحون أسرى لنظرة الناس إليهم ويبدأون في التفكير طوال الوقت في كيفية الحفاظ على صورتهم أمام الجمهور فيشعرون بالخوف من الخطأ لأن أي خطأ قد يتحول إلى حديث الناس وقد ينسى الإنسان في هذه الحالة أنه بشر وأن من الطبيعي أن يخطئ ويتعلم ويتغير

 

كما أن الشهرة قد تجعل بعض الناس يعيشون في عزلة رغم وجود الآلاف حولهم فقد يكون الشخص محاطا بالمتابعين والمعجبين لكنه لا يجد شخصا واحدا يستطيع أن يتحدث معه بصدق دون أن يخاف من استغلال كلامه أو نشر أسراره

 

والأصعب من ذلك أن الشهرة قد تجعل الإنسان يشك في نوايا من حوله فهل هذا الشخص يحبني لشخصي أم لما أملكه وهل هذا الصديق يريد صداقتي أم يريد الوصول إلى شهرتي وهل من يمدحني اليوم سيبقى بجانبي إذا اختفت الأضواء

 

وهنا تظهر قيمة العلاقات الحقيقية التي لا تقوم على الشهرة ولا على المال ولا على عدد المتابعين وإنما تقوم على الصدق والمحبة والوفاء

 

إن المشكلة ليست في أن يكون الإنسان مشهورا فهناك أشخاص كثيرون استخدموا شهرتهم في الخير وساعدوا الناس ونشروا الوعي وقدموا نماذج إيجابية وأصبح تأثيرهم سببا في تغيير حياة الكثيرين

 

لكن الشهرة تحتاج إلى وعي كبير لأن الإنسان إذا لم يعرف لماذا يريد أن يكون مشهورا فقد يجد نفسه يطارد الأضواء دون أن يعرف إلى أين تقوده

 

فالشهرة الحقيقية ليست أن يعرفك الناس فقط وإنما أن يعرفوك بسبب شيء يستحق المعرفة وأن يكون وجودك في حياة الناس إضافة حقيقية وليس مجرد حضور مؤقت ينتهي بمجرد ظهور شخص آخر

 

الحلول العملية والإيجابية

 

أولا حدد سبب رغبتك في الشهرة

 

قبل أن تسعى إلى أن يعرفك الناس اسأل نفسك لماذا أريد أن أكون معروفا فإذا كان هدفك تقديم شيء مفيد أو نشر فكرة نافعة أو تحقيق إنجاز حقيقي فستكون لديك رسالة تحميك من الوقوع في فخ البحث عن الاهتمام فقط

 

ثانيا لا تجعل قيمتك مرتبطة بعدد المتابعين

 

قد يكون لديك ملايين المتابعين ومع ذلك تشعر بالوحدة وقد يكون لديك عدد قليل من الأشخاص لكنهم يحبونك بصدق لذلك لا تجعل الأرقام تحدد قيمتك الإنسانية

 

ثالثا حافظ على حياتك الخاصة

 

ليس من الضروري أن يعرف الناس كل تفاصيل حياتك فبعض الأشياء الجميلة تفقد قيمتها عندما تتحول إلى محتوى عام ولذلك احتفظ بمساحة خاصة لك ولأسرتك ولمن تحب

 

رابعا تعلم التعامل مع النقد

 

إذا أصبحت معروفا فسوف تسمع المدح والنقد معا فلا تجعل المدح يجعلك مغرورا ولا تجعل النقد يهدم ثقتك بنفسك تعلم أن تأخذ النقد المفيد وتترك الإساءة جانبا

 

خامسا لا تغير مبادئك من أجل الجمهور

 

قد تتغير آراء الناس بسرعة ولذلك إذا جعلت حياتك كلها قائمة على إرضائهم فسوف تفقد نفسك في النهاية كن صادقا مع مبادئك ما دامت لا تؤذي الآخرين

 

سادسا استخدم تأثيرك في الخير

 

إذا امتلكت منصة يستطيع الناس سماعك من خلالها فاجعل لك أثرا طيبا استخدم كلماتك في نشر الوعي وتشجيع الناس ومساعدة المحتاجين والدفاع عن القيم الجميلة

 

سابعا احتفظ بأشخاص تثق بهم

 

وجود أشخاص صادقين حولك يستطيعون أن يقولوا لك الحقيقة عندما تخطئ أهم من وجود مئات الأشخاص الذين يصفقون لك في كل وقت

 

أمثلة من الواقع

 

قد يصبح شاب معروفا بسبب محتوى يقدمه على الإنترنت فيبدأ الناس بمتابعته ثم يشعر أنه أصبح مطالبا بإنتاج محتوى يومي حتى لو لم يكن لديه شيء جديد فيبدأ في اختلاق المواقف أو إثارة الجدل فقط حتى لا يفقد اهتمام الجمهور وهنا تحولت الشهرة من وسيلة إلى عبء

 

وفي المقابل قد يستخدم شخص آخر شهرته في دعم التعليم أو مساعدة المرضى أو نشر المعرفة فيصبح تأثيره أكبر من مجرد عدد المتابعين لأن الناس أصبحت تعرفه بسبب ما يقدمه وليس فقط بسبب ظهوره

 

وقد نجد شخصا مشهورا يحيط به الكثيرون لكنه عندما يمر بأزمة يكتشف أن معظم من حوله لم يكونوا أصدقاء حقيقيين بل كانوا يبحثون عن مصالحهم ولذلك فإن الشهرة قد تكشف للإنسان حقيقة بعض العلاقات أكثر مما تمنحه من علاقات جديدة

 

كما أن شخصا آخر قد يرفض نشر كل تفاصيل حياته رغم شهرته لأنه يدرك أن الخصوصية حق من حقوقه وأن الإنسان يحتاج إلى مساحة لا يدخلها الجمهور مهما كان عدد المتابعين

 

هذه الأمثلة تؤكد أن الشهرة ليست خيرا مطلقا ولا شرا مطلقا وإنما تعتمد على طريقة تعامل الإنسان معها وعلى الهدف الذي يستخدمها من أجله

 

الرؤية الإسلامية

 

الإسلام لا يحرم أن يعرف الناس الإنسان بسبب علمه أو عمله الصالح أو نفعه للآخرين لكنه يحذر من حب الشهرة والبحث عن مدح الناس إذا كان ذلك سببا في فساد القلب

 

قال الله تعالى

 

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

 

سورة القصص الآية 83

 

وقال سبحانه

 

﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾

 

سورة النجم الآية 32

 

وتعلمنا هذه الآيات أن قيمة الإنسان لا تكون في الشهرة أو العلو بين الناس وإنما في التقوى والعمل الصالح وأن الإنسان لا ينبغي أن يجعل نفسه أكبر من حقيقتها

 

من الأحاديث النبوية الصحيحة

 

قال رسول الله ﷺ

 

من سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به

 

متفق عليه

 

وقال ﷺ

 

إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال الرياء

 

رواه أحمد وحسنه أهل العلم

 

وتوضح هذه الأحاديث خطورة أن يتحول العمل إلى وسيلة للحصول على مدح الناس وأن يكون الإنسان حريصا على نظر الآخرين إليه أكثر من حرصه على إخلاصه

 

الرؤية المسيحية

 

يحذر الكتاب المقدس من السعي وراء مجد الناس على حساب العلاقة مع الله ومن جعل مدح الآخرين هو الهدف الأساسي للحياة

 

جاء في إنجيل يوحنا

 

لأنهم أحبوا مجد الناس أكثر من مجد الله

 

يوحنا الإصحاح الثاني عشر العدد الثالث والأربعون

 

وجاء في إنجيل متى

 

احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات

 

متى الإصحاح السادس العدد الأول

 

من تعاليم السيد المسيح والرسل

 

قال السيد المسيح

 

وأما أنت فمتى صنعت صدقة فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك

 

متى الإصحاح السادس العدد الثالث

 

وقال الرسول بولس

 

فإنه ليس الذي يمدح نفسه هو المزكى بل الذي يمدحه الرب

 

كورنثوس الثانية الإصحاح العاشر العدد الثامن عشر

 

وتؤكد هذه التعاليم أن قيمة الإنسان لا تعتمد على تصفيق الناس له وأن العمل الصالح يفقد معناه عندما يكون الهدف منه الحصول على المديح فقط

 

خاتمة

 

قد تمنحك الشهرة آلاف الوجوه التي تعرف اسمك لكنها لا تمنحك بالضرورة شخصا يعرف قلبك وقد تجعلك معروفا عند الجميع لكنها لا تجعلك محبوبا من الجميع ولذلك فإن الإنسان العاقل لا يجعل الشهرة هدف حياته وإنما يجعلها وسيلة إذا جاءت إليه استخدمها في الخير وإذا اختفت لم يفقد نفسه معها

 

فليس المهم أن يعرف الناس اسمك بقدر ما يهم أن يكون لاسمك معنى وأن يرتبط في ذاكرة الناس بأثر طيب وكلمة نافعة وموقف إنساني جميل

 

فالشهرة قد تنتهي والضوء قد ينطفئ والمتابعون قد ينتقلون إلى شخص آخر لكن الأثر الحقيقي يبقى ولذلك لا تطارد الأضواء من أجل أن يراك الناس بل اصنع شيئا يستحق أن يراه الناس

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *