مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد
مقال اليوم رقم 12
بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد
في البداية تبدو الشهرة حلما جميلا يراود الكثير من الناس فأن يعرفك الجميع وأن يسمع الناس اسمك وأن يتابعوا أعمالك وأن يصبح لك تأثير في حياة الآخرين قد يبدو أمرا يستحق السعي من أجله لكن ما لا يراه كثيرون هو أن الشهرة التي تمنح الإنسان الأضواء قد تسلب منه أحيانا أشياء كثيرة لا يراها الجمهور
فالإنسان المشهور يعيش في مساحة مختلفة من الحياة حيث تصبح تفاصيله الصغيرة محل اهتمام الآخرين وقد تتحول حياته الخاصة إلى مادة للحديث وقد يجد نفسه مطالبا دائما بأن يظهر بصورة مثالية حتى في الأوقات التي يكون فيها متعبا أو حزينا أو يمر بأزمة لا يريد أن يعرف عنها أحد
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الشهرة أكثر سهولة من أي وقت مضى فقد يستطيع شخص أن يصبح معروفا خلال أيام بسبب مقطع أو موقف أو فكرة ثم يجد نفسه فجأة أمام آلاف أو ملايين الأشخاص الذين يريدون معرفة كل شيء عنه
لكن المشكلة أن الشهرة السريعة لا تمنح الإنسان دائما الوقت الكافي للاستعداد لها فقد يجد شخص نفسه معروفا بين الناس لكنه لم يتعلم كيف يتعامل مع النقد أو مع الشهرة أو مع فقدان الخصوصية فيبدأ في اتخاذ قرارات خاطئة فقط من أجل الحفاظ على اهتمام الجمهور
وهنا تتحول الشهرة من نعمة إلى عبء
فبعض المشاهير يصبحون أسرى لنظرة الناس إليهم ويبدأون في التفكير طوال الوقت في كيفية الحفاظ على صورتهم أمام الجمهور فيشعرون بالخوف من الخطأ لأن أي خطأ قد يتحول إلى حديث الناس وقد ينسى الإنسان في هذه الحالة أنه بشر وأن من الطبيعي أن يخطئ ويتعلم ويتغير
كما أن الشهرة قد تجعل بعض الناس يعيشون في عزلة رغم وجود الآلاف حولهم فقد يكون الشخص محاطا بالمتابعين والمعجبين لكنه لا يجد شخصا واحدا يستطيع أن يتحدث معه بصدق دون أن يخاف من استغلال كلامه أو نشر أسراره
والأصعب من ذلك أن الشهرة قد تجعل الإنسان يشك في نوايا من حوله فهل هذا الشخص يحبني لشخصي أم لما أملكه وهل هذا الصديق يريد صداقتي أم يريد الوصول إلى شهرتي وهل من يمدحني اليوم سيبقى بجانبي إذا اختفت الأضواء
وهنا تظهر قيمة العلاقات الحقيقية التي لا تقوم على الشهرة ولا على المال ولا على عدد المتابعين وإنما تقوم على الصدق والمحبة والوفاء
إن المشكلة ليست في أن يكون الإنسان مشهورا فهناك أشخاص كثيرون استخدموا شهرتهم في الخير وساعدوا الناس ونشروا الوعي وقدموا نماذج إيجابية وأصبح تأثيرهم سببا في تغيير حياة الكثيرين
لكن الشهرة تحتاج إلى وعي كبير لأن الإنسان إذا لم يعرف لماذا يريد أن يكون مشهورا فقد يجد نفسه يطارد الأضواء دون أن يعرف إلى أين تقوده
فالشهرة الحقيقية ليست أن يعرفك الناس فقط وإنما أن يعرفوك بسبب شيء يستحق المعرفة وأن يكون وجودك في حياة الناس إضافة حقيقية وليس مجرد حضور مؤقت ينتهي بمجرد ظهور شخص آخر
الحلول العملية والإيجابية
أولا حدد سبب رغبتك في الشهرة
قبل أن تسعى إلى أن يعرفك الناس اسأل نفسك لماذا أريد أن أكون معروفا فإذا كان هدفك تقديم شيء مفيد أو نشر فكرة نافعة أو تحقيق إنجاز حقيقي فستكون لديك رسالة تحميك من الوقوع في فخ البحث عن الاهتمام فقط
ثانيا لا تجعل قيمتك مرتبطة بعدد المتابعين
قد يكون لديك ملايين المتابعين ومع ذلك تشعر بالوحدة وقد يكون لديك عدد قليل من الأشخاص لكنهم يحبونك بصدق لذلك لا تجعل الأرقام تحدد قيمتك الإنسانية
ثالثا حافظ على حياتك الخاصة
ليس من الضروري أن يعرف الناس كل تفاصيل حياتك فبعض الأشياء الجميلة تفقد قيمتها عندما تتحول إلى محتوى عام ولذلك احتفظ بمساحة خاصة لك ولأسرتك ولمن تحب
رابعا تعلم التعامل مع النقد
إذا أصبحت معروفا فسوف تسمع المدح والنقد معا فلا تجعل المدح يجعلك مغرورا ولا تجعل النقد يهدم ثقتك بنفسك تعلم أن تأخذ النقد المفيد وتترك الإساءة جانبا
خامسا لا تغير مبادئك من أجل الجمهور
قد تتغير آراء الناس بسرعة ولذلك إذا جعلت حياتك كلها قائمة على إرضائهم فسوف تفقد نفسك في النهاية كن صادقا مع مبادئك ما دامت لا تؤذي الآخرين
سادسا استخدم تأثيرك في الخير
إذا امتلكت منصة يستطيع الناس سماعك من خلالها فاجعل لك أثرا طيبا استخدم كلماتك في نشر الوعي وتشجيع الناس ومساعدة المحتاجين والدفاع عن القيم الجميلة
سابعا احتفظ بأشخاص تثق بهم
وجود أشخاص صادقين حولك يستطيعون أن يقولوا لك الحقيقة عندما تخطئ أهم من وجود مئات الأشخاص الذين يصفقون لك في كل وقت
أمثلة من الواقع
قد يصبح شاب معروفا بسبب محتوى يقدمه على الإنترنت فيبدأ الناس بمتابعته ثم يشعر أنه أصبح مطالبا بإنتاج محتوى يومي حتى لو لم يكن لديه شيء جديد فيبدأ في اختلاق المواقف أو إثارة الجدل فقط حتى لا يفقد اهتمام الجمهور وهنا تحولت الشهرة من وسيلة إلى عبء
وفي المقابل قد يستخدم شخص آخر شهرته في دعم التعليم أو مساعدة المرضى أو نشر المعرفة فيصبح تأثيره أكبر من مجرد عدد المتابعين لأن الناس أصبحت تعرفه بسبب ما يقدمه وليس فقط بسبب ظهوره
وقد نجد شخصا مشهورا يحيط به الكثيرون لكنه عندما يمر بأزمة يكتشف أن معظم من حوله لم يكونوا أصدقاء حقيقيين بل كانوا يبحثون عن مصالحهم ولذلك فإن الشهرة قد تكشف للإنسان حقيقة بعض العلاقات أكثر مما تمنحه من علاقات جديدة
كما أن شخصا آخر قد يرفض نشر كل تفاصيل حياته رغم شهرته لأنه يدرك أن الخصوصية حق من حقوقه وأن الإنسان يحتاج إلى مساحة لا يدخلها الجمهور مهما كان عدد المتابعين
هذه الأمثلة تؤكد أن الشهرة ليست خيرا مطلقا ولا شرا مطلقا وإنما تعتمد على طريقة تعامل الإنسان معها وعلى الهدف الذي يستخدمها من أجله
الرؤية الإسلامية
الإسلام لا يحرم أن يعرف الناس الإنسان بسبب علمه أو عمله الصالح أو نفعه للآخرين لكنه يحذر من حب الشهرة والبحث عن مدح الناس إذا كان ذلك سببا في فساد القلب
قال الله تعالى
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
سورة القصص الآية 83
وقال سبحانه
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾
سورة النجم الآية 32
وتعلمنا هذه الآيات أن قيمة الإنسان لا تكون في الشهرة أو العلو بين الناس وإنما في التقوى والعمل الصالح وأن الإنسان لا ينبغي أن يجعل نفسه أكبر من حقيقتها
من الأحاديث النبوية الصحيحة
قال رسول الله ﷺ
من سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به
متفق عليه
وقال ﷺ
إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال الرياء
رواه أحمد وحسنه أهل العلم
وتوضح هذه الأحاديث خطورة أن يتحول العمل إلى وسيلة للحصول على مدح الناس وأن يكون الإنسان حريصا على نظر الآخرين إليه أكثر من حرصه على إخلاصه
الرؤية المسيحية
يحذر الكتاب المقدس من السعي وراء مجد الناس على حساب العلاقة مع الله ومن جعل مدح الآخرين هو الهدف الأساسي للحياة
جاء في إنجيل يوحنا
لأنهم أحبوا مجد الناس أكثر من مجد الله
يوحنا الإصحاح الثاني عشر العدد الثالث والأربعون
وجاء في إنجيل متى
احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات
متى الإصحاح السادس العدد الأول
من تعاليم السيد المسيح والرسل
قال السيد المسيح
وأما أنت فمتى صنعت صدقة فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك
متى الإصحاح السادس العدد الثالث
وقال الرسول بولس
فإنه ليس الذي يمدح نفسه هو المزكى بل الذي يمدحه الرب
كورنثوس الثانية الإصحاح العاشر العدد الثامن عشر
وتؤكد هذه التعاليم أن قيمة الإنسان لا تعتمد على تصفيق الناس له وأن العمل الصالح يفقد معناه عندما يكون الهدف منه الحصول على المديح فقط
خاتمة
قد تمنحك الشهرة آلاف الوجوه التي تعرف اسمك لكنها لا تمنحك بالضرورة شخصا يعرف قلبك وقد تجعلك معروفا عند الجميع لكنها لا تجعلك محبوبا من الجميع ولذلك فإن الإنسان العاقل لا يجعل الشهرة هدف حياته وإنما يجعلها وسيلة إذا جاءت إليه استخدمها في الخير وإذا اختفت لم يفقد نفسه معها
فليس المهم أن يعرف الناس اسمك بقدر ما يهم أن يكون لاسمك معنى وأن يرتبط في ذاكرة الناس بأثر طيب وكلمة نافعة وموقف إنساني جميل
فالشهرة قد تنتهي والضوء قد ينطفئ والمتابعون قد ينتقلون إلى شخص آخر لكن الأثر الحقيقي يبقى ولذلك لا تطارد الأضواء من أجل أن يراك الناس بل اصنع شيئا يستحق أن يراه الناس
![]()
