الكاتبة: عاليا عجيزة
كان الليل يلقي بسدوله الثقيلة فوق المقبرة المنسية، وسط سكون مريب لا يقطعه سوى صفير الريح الخفيفة وهي تتسلل بين شواهد القبور المتآكلة. جلست لين على العشب البارد المبلل بقطرات الندى، وقد انسكب شعرها الأسود الفاحم على كتفيها، بينما التف ثوبها الداكن حول جسدها كأنه جزء من الظلام المحيط بها. كانت برودة الأرض تتسلل عبر قماش ردائها المبتل، لكنها لم تهتم مطلقًا بهذه البرودة الظاهرية؛ فقد كان الخدر الجاثم على صدرها والحرقة التي تستقر في قلبها أشد قسوة من كل زمهرير العالم.
رفعت عينيها المجهدتين والمنتفختين من أثر البكاء نحو القمر البارد المكتمل، الذي يتوسط حلقة من الغيوم الرمادية الداكنة. كان هذا البدر هو الأول الذي يكتمل منذ رحيل أختها التوأم «ميرا»، والعهد الذي قطعتاه بينهما في الصغر كان قاطعًا ولا يحتمل أي تأجيل أو إهمال.
طوال ثلاثين يومًا متواصلة منذ الحادثة، كانت لين تتجنب الحضور إلى هذا المكان، تخاف أن تطأ قدمها هذه الأرض وترتطم بالحقيقة العارية والمريرة التي يحملها اسم «ميرا» المنحوت بوضوح على الرخام الأبيض البارد. لكن ليلة اليوم كانت مختلفة تمامًا عن كل ما سبق؛ فالصوت الخفي الذي يناديها في أحلامها كل ليلة ويقض مضجعها، بلغ حدًّا من الوضوح والجلاء لا يمكن لجمجمتها أن تتجاهله بعد الآن.
أغمضت عينيها بشدة، وجمعت يديها المرتجفتين فوق ركبتيها، ثم أطلقت زفيرًا ساخنًا وقالت بصوت متهدج خافت يصارع الريح:
«لقد أتيت في الموعد كما وعدتكِ تمامًا يا ميرا.. لقد اتصلتُ بذاك الظلام الذي طالما خشيتِه وحذرتِني منه طوال حياتكِ، فهل أنتِ هنا الآن؟ أم أنني أحدث نفسي وسط العدم؟»
لم يتغير أي شيء في المشهد للوهلة الأولى، وظل السكون الموحش مخيمًا على المكان، بينما استمر الضباب الأبيض الخفيف في الزحف بكثافة متزايدة فوق الأرضية الخضراء. أطرقت لين رأسها في خيبة أمل، وشعرت بدمعة حارقة تتسلل على خدها الأيسر، متسائلة بينها وبين نفسها عما إذا كانت أوهام الحزن واللوعة قد لعبت بعقلها ودفعتها لتوهم أشياء لا وجود لها.
لكن فجأة، وبلا أي مقدمات، تحول الهواء حولها إلى كتلة لزجة وثقيلة من البرودة الكاسحة. انقشعت طبقة الضباب القريبة منها ببطء، وتجلت من بين ثنايا الظلال صورة باهتة بدأت تتشكل تدريجيًّا على بُعد خطوات قليلة منها. لم تكن جثة هامدة ولا هيكلًا عظميًّا، بل كانت طيفًا شبحِيًّا شبه شفاف ينضح بنور ضبابي شاحب ومائل للزرقة. كانت ميرا ترتدي فستانها الأبيض الخفيف، وتحبو على أربع نحو أختها فوق العشب الرطب، وشعرها الأبيض الأثيري منسدل حول وجهها كأنه غيمة من الثلج المتساقط.
تسمّرت لين في مكانها، واتسعت حدقتا عينيها بذهول، بينما جفت الدماء في عروقها، وراحت يداها تغرسان أصابعهما في التراب. امتزج الرعب الفطري بفرحة الفقد المؤلمة في أعماق صدرها، ولم تستطع التفوه بكلمة واحدة وهي تراقب هذا الطيف يقترب بحركات انسيابية بطيئة وصامتة، كأنه يتحرك في قاع المحيط.
توقفت ميرا على بُعد شبر واحد فقط من وجه أختها الحية، ثم جلست على ركبتيها، ومالت برأسها الشاحب نحو أذن لين اليمنى.
«لماذا تنادين من يُفترض بكِ دفنه ونسيانه للتراب؟»
انبعث هذا الهمس الصوتي لا عبر الهواء أو أذنيها، بل نزل مباشرة في أنسجة عقل لين وفي أعماق وعيها؛ صوتًا مألوفًا جدًا، لكنه كان جافًّا وباهتًا، يعبق برائحة التربة الندية ورطوبة الغياب الأبدي.
بلعت لين غصتها الحارقة، ولزمت مكانها دون أن تتراجع إنشًا واحدًا إلى الخلف. أغمضت عينيها لتتحمل حضور هذه البرودة القاتلة التي تكاد تجمد أنفاسها، وقالت بصوت خافت، لكنه يحمل إصرارًا:
«لم آتِ إلى هنا لأدعوكِ للعودة يا ميرا.. أتيت لأنني أريد أن أعرف الحقيقة كاملة. أريد أن أعرف من الذي فعل بكِ هذا وأنهى حياتكِ. الشرطة أغلقت الملف بسرعة وقيدت القضية ضد مجهول كحادث غرق عادي، لكنني أعلم يقينًا أنكِ لم تذهبي إلى ذاك النهر الغامض بمحض إرادتكِ في تلك الليلة.»
مال الطيف الشاحب إلى الأمام أكثر وأكثر، وانحنت ميرا حتى كاد جبينها الشفاف يلامس جبهة أختها الحية. انقبضت ملامح الشبه الجسدي بينهما في تباين مرعب ومؤلم؛ إحداهما تحترق بنار الحياة والألم والبحث عن العدالة، والأخرى تجمدت للأبد في صمت الموت وعتمة البرزخ.
«السر الحقيقي ليس مدفونًا تحت مياه النهر يا لين..» هسّ الطيف الشبح، واهتزت نبرته برعدة مخيفة شبيهة بصرير جاف للأشجار اليابسة وسط عاصفة هوائية. «السر ينام هناك.. في البيت الذي تركته خلفي.. في تلك الخزانة الخشبية المغلقة في القبو، الخزانة التي يحمل مفتاحها الذهبي الشخص الذي يتظاهر بالبكاء عليكِ الآن في المنزل، ويحثكِ كل يوم على نسياني وعدم فتح أوراق الماضي.»
شهقت لين بقوة، وشعرت بقشعريرة حادة تضرب عمودها الفقري وتجمد الدماء في أطرافها. تذكرت في تلك اللحظة صورة زوج والدتهما، وتصرفاته المريبة، ورغبته المُصِرّة طوال الأسابيع الماضية في دفن القضية ونسيان الماضي وإبعادها عن القبو بأي ثمن.
رفعت لين يديها المرتعشتين في محاولة غير واعية للمس وجه أختها الشاحب، لكن أصابعها اخترقت الضوء البارد، ولم تلمس سوى الفراغ والهواء المثلج.
تراجعت ميرا ببطء نحو الخلف، وشكلت برأسها إيماءة أخيرة، وهي تبدأ في التلاشي والغرق داخل الضباب المتصاعد من جوانب القبور. وقبل أن تختفي تمامًا، تردد صوتها الأخير في ذهن لين:
«احذري خطواتكِ القادمة بذكاء.. فالظلام الذي استدعيتِني منه هذه الليلة بات يعرف وجهكِ وطريقكِ الآن.»
اختفى الطيف تمامًا مع خبو ضوء القمر خلف غيمة سوداء كثيفة، لتعود المقبرة إلى سكونها الموحش. وقفت لين على قدميها برعب يصاحبه إصرار جديد، ومسحت دموعها بثوبها الأسود، ثم استدارت وغادرت بخطوات سريعة نحو المنزل.
![]()
