...
IMG 20260820 WA0004

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

بعد يوم الملاهي والحسين

 

لم تعد علاقة أحمد ومنة كما كانت قبل ذلك اليوم

 

لم يحدث شيء واضح يستطيع أحد أن يشير إليه ويقول إن هذا هو السبب

 

لكن شيئًا ما تغير

 

ربما لأنهما عاشا يومًا كاملًا معًا

 

ورأى كل واحد منهما الآخر في لحظات مختلفة

 

رآه يضحك

 

ويخاف

 

ويتعب

 

ويصمت

 

ويدعو

 

ويرى الحياة من زاوية مختلفة

 

أو ربما لأن ذلك اليوم جعل كل واحد منهما يشعر للمرة الأولى أن علاقته بالآخر لم تعد مجرد فترة خطوبة جميلة

 

بل أصبحت طريقًا يريد أن يكمله حتى نهايته

 

مرت الأيام التالية بهدوء

 

وكان أحمد في عمله كعادته

 

لكن هذه المرة كان يشعر أن الليل أصبح أخف

 

فحتى عندما يكون مرهقًا

 

كان يكفيه أن يسمع صوت منة

 

حتى يشعر أن التعب تراجع قليلًا

 

وفي إحدى الليالي

 

اتصل بها بعد أن انتهت من بعض أعمالها

 

قال

 

عاملة إيه

 

قالت

 

كويسة

 

ثم سكتت

 

انتظر أحمد أن تكمل

 

لكنها لم تفعل

 

قال

 

مالك

 

قالت

 

مفيش

 

قال

 

منة

 

قالت

 

نعم

 

قال

 

أنا عارفك

 

ضحكت ضحكة صغيرة

 

وقالت

 

بتعرفني من إمتى عشان تقول أنا عارفك

 

قال

 

من أول ما بدأتي تقولي مفيش وأنا أعرف إن في حاجة

 

سكتت

 

ثم قالت

 

أنا بس تعبانة شوية

 

قال

 

من إيه

 

قالت

 

مش عارفة

 

قال

 

طب احكيلي

 

قالت

 

مفيش حاجة تتحكي

 

قال

 

مش لازم يكون في حاجة كبيرة

 

ممكن تحكيلي أي حاجة

 

فضلت صامتة للحظات

 

ثم قالت

 

أنا ساعات بخاف

 

سألها أحمد بهدوء

 

من إيه

 

قالت

 

من المستقبل

 

لم يضحك

 

ولم يقل لها إن الأمور ستكون بخير بشكل سريع

 

لأنه عرف أن بعض المخاوف لا تحتاج إلى إجابة جاهزة

 

تحتاج فقط إلى شخص يسمعها

 

قال

 

خايفة من إيه في المستقبل

 

قالت

 

من كل حاجة

 

من المسؤولية

 

من البيت

 

من إن الحياة بعد الجواز تبقى مختلفة

 

من إننا نتغير

 

من إن المشاكل تكبر

 

ومن إن الحب اللي بينا دلوقتي يبقى أقل بعدين

 

ظل أحمد صامتًا

 

ثم قال

 

تعرفي أنا أكتر حاجة خوفتني من أول ما عرفتك

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

إني أظلمك

 

قالت

 

تظلمني إزاي

 

قال

 

إني أوعدك بحاجة وأنا مش قدها

 

إني أخليكي تتعلقي بيا وبعدين تكتشفي إني مش الشخص اللي كنتي فاكراني

 

قالت

 

بس أنا شايفاك

 

قال

 

وأنا عايزك تفضلي تشوفيني

 

مش الصورة الحلوة بس

 

عايزك تعرفي وقت عصبيتي

 

وقت تعبي

 

وقت ضيقي

 

وقت ما أكون مش قادر أتكلم

 

وعايزك تعرفي إن أنا كمان هعرف كل ده عنك

 

سكتت منة

 

ثم قالت

 

بس أنا مش عايزة شخص كامل

 

قال

 

أمال عايزة إيه

 

قالت

 

عايزة شخص لما يغلط يعرف إنه غلط

 

ولما يزعل يتكلم

 

ولما يتعب ما يبعدش

 

ولما الدنيا تضغط عليه ما ينسانيش

 

قال أحمد

 

وأنا عايز نفس الحاجة

 

ثم أضاف

 

أنا مش هقدر أوعدك إن حياتنا هتكون من غير مشاكل

 

لكن أقدر أوعدك إننا ما نواجههاش لوحدنا

 

كانت الجملة بسيطة

 

لكنها جعلت منة تشعر براحة كبيرة

 

قالت

 

أنا كنت محتاجة أسمع ده

 

قال

 

عشان كده متخافيش

 

إحنا مش مطلوب مننا نعرف المستقبل

 

إحنا مطلوب مننا نعرف إحنا عايزين نكون إزاي مع بعض

 

ابتسمت منة

 

وقالت

 

أنت ساعات بتقول كلام يخليني أفتكر إنك أكبر من سنك

 

ضحك أحمد

 

وقال

 

وأنتي ساعات بتخليني أحس إني لسه طفل

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

عشان كل مرة تضحكي فيها بحس إني كسبت الدنيا

 

ضحكت

 

وقالت

 

رجعت أحمد الرومانسي

 

قال

 

هو أنا كنت إيه

 

قالت

 

مش عارفة

 

قال

 

بس بتحبيني

 

قالت

 

للأسف

 

ضحك الاثنان

 

وعاد الهدوء بينهما

 

لكن في صباح اليوم التالي

 

حدث شيء لم يكن أحمد يتوقعه

 

كان قد استيقظ متأخرًا بسبب إرهاق العمل

 

وكان هاتفه ممتلئًا بالرسائل

 

فتح الهاتف

 

وجد رسالة من منة

 

صحيت

 

ثم رسالة أخرى

 

لما تصحى كلمني

 

قرأ الرسائل

 

واتصل بها

 

لم ترد

 

اتصل مرة أخرى

 

لم ترد

 

شعر بالقلق

 

لكنه حاول ألا يبالغ

 

قال ربما تكون مشغولة

 

مر وقت

 

ثم أرسل لها

 

طمنيني عليكي لما تقدري

 

وظل ينتظر

 

مرت ساعات

 

ولم تأتِ رسالة

 

بدأ القلق يتسلل إلى قلبه

 

ولم يكن يعرف لماذا

 

لكن غياب صوتها عن يومه

 

جعله يشعر أن هناك شيئًا ناقصًا

 

ثم وصلته رسالة أخيرًا

 

أنا كويسة

 

قرأها

 

ثم اتصل بها فورًا

 

ردت

 

قال

 

كنت فين

 

قالت

 

كنت مشغولة

 

قال

 

أنا قلقت

 

قالت

 

آسفة

 

ثم سكتت

 

شعر أحمد أن صوتها مختلف

 

قال

 

منة

 

قالت

 

نعم

 

قال

 

في حاجة

 

قالت

 

لا

 

قال

 

إنتي بتقولي لا بطريقة معناها آه

 

ضحكت قليلًا

 

لكن ضحكتها لم تكن طبيعية

 

قال

 

قولي

 

قالت

 

مفيش

 

قال

 

لو مش عايزة تتكلمي دلوقتي براحتك

 

بس متقوليش مفيش لو في حاجة

 

سكتت

 

ثم قالت

 

أنا بس زعلانة منك شوية

 

تغير صوت أحمد

 

وقال

 

مني

 

قالت

 

آه

 

قال

 

عملت إيه

 

قالت

 

مش حاجة كبيرة

 

قال

 

بس فهميني

 

قالت

 

إنت امبارح قلتلي إنك هتكلمني بدري

 

ومكلمتنيش

 

سكت أحمد

 

ثم قال

 

أنا كنت تعبان جدًا ونمت

 

قالت

 

أنا عارفة

 

قال

 

طب زعلانة ليه

 

قالت

 

عشان كنت مستنياك

 

لم يعرف أحمد ماذا يقول

 

لأنه أدرك أن المشكلة لم تكن في المكالمة نفسها

 

بل في شعورها أنها انتظرته ولم تجده

 

قال

 

حقك عليا

 

قالت

 

أنا مش عايزة ألومك

 

قال

 

بس أنا عايز أفهمك

 

قالت

 

أنا لما استنيتك امبارح حسيت إني كنت مستنية حاجة مهمة بالنسبة لي

 

ولما ما اتصلتش حسيت إني يمكن كنت لوحدي في الموضوع

 

قال أحمد

 

لا

 

إنتي مش لوحدك

 

قالت

 

أنا عارفة

 

قال

 

وعشان كده أنا آسف

 

أنا كان لازم حتى لو كنت تعبان أبعتلك وأقولك

 

أنا مقدر إنك كنت مستنياني

 

هدأت منة

 

وقالت

 

أنا مش زعلانة منك عشان المكالمة

 

أنا زعلانة عشان حسيت إني كنت مستنياك أكتر مما أنت مستنياني

 

شعر أحمد أن الجملة أصابته من الداخل

 

قال

 

منة

 

قالت

 

نعم

 

قال

 

أنا ممكن أنسى مكالمة

 

ممكن أتعب

 

ممكن أقصر من غير قصد

 

لكن عمري ما أكون مستني وجودك أقل منك

 

أنا يمكن ما أعرفش أظهر كل حاجة جوايا

 

بس ده مش معناه إنك مش أهم حاجة عندي

 

سكتت منة طويلًا

 

ثم قالت

 

أنا عارفة

 

قال

 

طيب ليه زعلانة

 

قالت

 

عشان بحبك

 

ابتسم أحمد

 

وقال

 

وأنا كمان

 

قالت

 

عشان كده بزعل

 

قال

 

وعشان كده أنا هتعلم

 

قالت

 

هتتعلم إيه

 

قال

 

إني ما أتعاملش مع حبك على إنه شيء مضمون

 

لأن اللي بيحبني مش معناه إني أقدر أضمن إنه مش هيتعب

 

سكتت منة

 

ثم قالت

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

أنا سامحتك

 

قال

 

بسرعة كده

 

قالت

 

آه

 

قال

 

طب كنتي زعلانة أصلًا

 

ضحكت وقالت

 

كنت بدلع عليك

 

ضحك أحمد وقال

 

آه

 

أمال أنا كنت بعتذر ليه

 

قالت

 

عشان بحب أشوفك بتصالحني

 

قال

 

أنتي خطيرة

 

قالت

 

وأنت اللي اخترت

 

قال

 

وأنا اخترت صح

 

ساد الصمت بينهما

 

لكن هذه المرة كان صمتًا مختلفًا

 

كان صمت شخصين اكتشفا أن الحب ليس فقط في الأيام التي يضحكان فيها معًا

 

بل في الطريقة التي يختلفان بها

 

وفي الطريقة التي يعودان بها لبعضهما

 

وفي نهاية المكالمة

 

قالت منة

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

أنا مبسوطة إن أول خلاف بينا خلص كده

 

قال

 

وأنا مبسوط إننا اتكلمنا

 

قالت

 

أنا كنت خايفة

 

قال

 

من إيه

 

قالت

 

إنك تزعل مني عشان زعلت

 

ضحك أحمد وقال

 

إحنا لو كل مرة واحد فينا زعل من زعل التاني هنفضل زعلانين طول العمر

 

ضحكت

 

وقالت

 

صح

 

قال

 

عشان كده

 

لو زعلتي

 

قولي

 

لو اتضايقت

 

هقول

 

ولو فهمنا بعض غلط

 

نتكلم

 

قالت

 

اتفقنا

 

قال

 

اتفقنا

 

ثم قال

 

بس عندي طلب

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

لو زعلتي مني مرة تانية

 

ما تسكتيش

 

قالت

 

وإنت

 

قال

 

أنا كمان

 

ثم أضاف

 

عشان أنا مش عايز الحب بينا يبقى مجرد كلام حلو

 

عايزه يبقى طريقة حياة

 

كانت تلك الليلة نقطة صغيرة

 

لكنها كانت مهمة جدًا

 

لأن أحمد ومنة لم يكتشفا فقط أنهما يحبان بعضهما

 

بل اكتشفا أنهما قادران على الاختلاف دون أن يخسرا بعضهما

 

وقبل أن تنام منة

 

أرسلت له رسالة قصيرة

 

تصبح على خير يا أحمد

 

قرأها

 

ثم كتب

 

وإنتي من أهلي

 

وقبل أن يغلق الهاتف

 

كتب لها شيئًا آخر

 

أنا آسف إني خليتك تستنيني

 

ردت بعد لحظات

 

وأنا آسفة إني زعلتك

 

ثم أضافت

 

بس أوعى تتعود تخليني أزعل منك

 

ضحك أحمد

 

وكتب

 

وعد

 

وضعت منة الهاتف بجوارها

 

وأغمضت عينيها

 

وفي الجانب الآخر

 

جلس أحمد قليلًا يفكر

 

ثم ابتسم

 

لأنه أدرك أن ما حدث لم يبعدهما عن بعضهما

 

بل قربهما أكثر

 

فالاختلاف الأول لم يكن بداية مشكلة

 

بل كان أول درس حقيقي في الحب

 

أن القلبين عندما يريدان البقاء معًا

 

لا يبحثان عن شخص لا يخطئ

 

بل يبحثان عن شخص يستطيع أن يسمع

 

ويعتذر

 

ويسامح

 

ويبدأ من جديد

 

وكان أحمد في تلك اللحظة لا يعرف أن الأيام القادمة ستحمل لهما أول اختبار حقيقي

 

اختبارًا لن يكون سببه سوء تفاهم صغير

 

ولا كلمة قيلت في لحظة غضب

 

بل أمرًا سيجعل أحمد يقف لأول مرة أمام نفسه

 

ويسأل

 

هل الحب وحده يكفي عندما تبدأ الحياة في وضع شروطها أمامنا

 

وكانت الإجابة

 

لم تأتِ بعد

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *