الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
لم يكن أحمد يريد أن يمر الأسبوع الجديد مثل الأسابيع التي سبقته
كان يشعر أن منة أصبحت تستحق منه يومًا مختلفًا
يومًا لا يكون فيه الهاتف هو المسافة الوحيدة بينهما
ولا تكون فيه المكالمات هي الوسيلة الوحيدة التي يستطيع من خلالها أن يرى فرحتها
كان يريد أن يراها وهي تضحك أمامه
يرى عينيها وهي تفرح
يسمع ضحكتها من غير سماعة الهاتف
ويصنع معها ذكرى حقيقية يمكن لكل واحد منهما أن يعود إليها بعد سنوات ويقول
فاكرة اليوم ده
وكانت الفكرة قد بدأت في رأسه بطريقة بسيطة
قال لها في إحدى المكالمات
منة
قالت
نعم
قال
إنتي فاضية يوم كذا
قالت
ليه
قال
مفاجأة
ضحكت وقالت
أنا بخاف من كلمة مفاجأة دي
قال
ليه
قالت
عشان أنت ممكن تكون مخطط لحاجة وأنا معرفش
قال
ما هو لو عرفتي مش هتبقى مفاجأة
قالت
طب قولي
قال
مش هقول
وظلت تحاول أن تعرف
لكنه أصر على أن يحتفظ بالسر
وفي اليوم المحدد
كان أحمد قد رتب كل شيء
ولم يكن ذاهبًا معها وحدهما
كانت والدتها معهم
وكانت والدته أيضًا معهم
فهو كان يعرف منذ البداية أن اليوم لن يكون كما يتخيله في بعض لحظاته
لن يستطيع أن يركض معها ويضحك بحرية طوال الوقت
ولن يستطيع أن يتصرف معها بنفس العفوية التي تظهر في مكالماتهم
وكان يعرف أيضًا أن وجود الأمهات بجوارهما سيجعل كل شيء أكثر هدوءًا واحترامًا
لكنه لم يكن يريد أكثر من شيء واحد
أن يراها سعيدة
وصلوا إلى الملاهي
ومنذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها منة
تغير وجهها
بدت كأنها عادت طفلة للحظات
كانت تنظر إلى الألعاب
وتلتفت يمينًا ويسارًا
ثم قالت
أحمد
قال
نعم
قالت
إحنا هنركب كل ده
ضحك وقال
إنتي اللي قولتي عايزة تتفسحي
قالت
بس أنا مكنتش أعرف إنك هتجيبني هنا
قال
خلاص
النهارده ليكي
قالت
بجد
قال
بجد
ابتسمت منة
وكانت تلك الابتسامة هي أول مكافأة حصل عليها أحمد في ذلك اليوم
بدأوا بالألعاب البسيطة
ثم جاءت فكرة لعب الكرة
وقف أحمد أمام منة
وكانت بينهما مسافة صغيرة
والكرة أمامهما
قالت
أنا هكسبك
ضحك أحمد وقال
إنتي
قالت
آه أنا
قال
طيب يلا
بدأت اللعبة
وكان أحمد يستطيع أن يتغلب عليها بسهولة
لكنه كان يتعمد أن يترك لها الطريق
كلما اقتربت من المرمى تركها تمر
وكلما سددت الكرة ابتعد عنها قليلًا
حتى أحرزت هدفًا
رفعت يديها وهي تضحك
وقالت
جبت جون
ضحك أحمد وقال
مبروك
قالت
إنت كنت سايبني
قال
مين قال
قالت
أنا عارفة
قال
أنتي شاطرة
قالت
أحمد
قال
نعم
قالت
متضحكش عليا
قال
أنا مش بضحك عليكي
ثم اقترب قليلًا وقال
أنا مبسوط إنك فرحانة
كانت منة تعرف أنه تركها تفوز
لكنها لم تكن غاضبة
بالعكس
كانت سعيدة لأنه اختار أن يجعلها تشعر بالانتصار بدلًا من أن يثبت لها أنه أقوى منها
وفي الجولة التالية قالت
المرة دي مش هتسيبني
قال
تمام
ولعبا مرة أخرى
وفي هذه المرة حاول أحمد أن يلعب بجد
لكن منة كانت تجري خلف الكرة بطريقة جعلته يضحك بشدة
وفي النهاية أحرزت هدفًا آخر بطريقة لم يتوقعها
قالت وهي تضحك
شوفت
قال
أنا بدأت أشك إنك فعلًا شاطرة
قالت
بدأت
قال
آه
قالت
يعني كنت فاكرني ضعيفة
قال
لا
قالت
أمال
قال
كنت عايز أشوفك مبسوطة
سكتت لحظة
ثم قالت
وأنا مبسوطة
كانت تلك الكلمة بالنسبة لأحمد أهم من نتيجة المباراة كلها
بعدها بدأت جولة الألعاب
وكانت منة في كل مرة تقول
دي سهلة
ثم عندما تبدأ اللعبة بالفعل
تتغير ملامحها تمامًا
ركبت إحدى الألعاب التي تتحرك بسرعة
وفي اللحظة التي بدأت فيها اللعبة
صرخت
أحمد
ضحك
وقال
في إيه
قالت
وقفها
ضحك أكثر
وقالت
أحمد بقولك وقفها
قال
أنا مش اللي مشغلها
قالت
طب اعمل أي حاجة
كان يضحك وهو يراها تتمسك بمكانها وتغلق عينيها
وعندما انتهت اللعبة
نزلت وهي تقول
أنا مش هركب حاجة تاني
قال
من أولها
قالت
أيوه
وبعد دقائق
كانت واقفة أمام لعبة أخرى
تنظر إليها
قال أحمد
مش هتركبي
قالت
لا
ثم سكتت
وقالت
دي شكلها حلو
ضحك وقال
إنتي مش قولتي مش هتركبي
قالت
غيرت رأيي
قال
طبعًا
ركبت
وبعد أن بدأت اللعبة بدقائق
بدأت تصرخ مرة أخرى
وكان أحمد يضحك حتى دمعت عيناه
وعندما نزلت قالت
إنت بتضحك عليا
قال
أنا بضحك معاكي
قالت
لا بتضحك عليا
قال
أصل شكلك بيبقى مضحك لما بتخافي
نظرت إليه بضيق مصطنع
وقالت
خلاص
مش هركب حاجة تاني معاك
قال
طيب
قالت
ولا هكلمك
قال
دي أصعب عقوبة
ضحكت رغمًا عنها
وقال
خلاص خلاص
أنا آسف
قالت
مش مسامحاك
قال
طب أعمل إيه
قالت
فكر
قال
أجيبلك مصاصة
ابتسمت منة
وقالت
أنت فاكر
قال
أنا بفتكر كل حاجة تخصك
سكتت
ثم قالت
خلاص سامحتك
ضحك أحمد
وشعر أن يومه كله يستحق تلك اللحظة وحدها
مرت الساعات
وكانوا ينتقلون من لعبة إلى أخرى
وكان أحمد في كل مرة ينظر إلى منة أكثر مما ينظر إلى اللعبة نفسها
لم يكن مهتمًا بما يركب
بقدر اهتمامه بوجهها بعد كل لعبة
كان يحب أن يرى ذلك اللمعان في عينيها
ويحب أن يسمع ضحكتها
وكانت والدته ووالدة منة تراقبان من بعيد
وتبتسمان كلما رأتا كيف يحاول أحمد أن يجعل منة سعيدة دون أن يتجاوز حدود الأدب والاحترام
وفي منتصف اليوم
جلسوا جميعًا قليلًا للراحة
كانت منة متعبة
فقال أحمد
تعبتي
قالت
شوية
قال
نرجع
قالت بسرعة
لا
ضحك وقال
يعني تعبانة ومش عايزة ترجعي
قالت
لسه اليوم مخلصش
قال
أنا عارف إنك هتخلصي عليا
قالت
أنت اللي قلت النهارده ليا
قال
وأنا عند وعدي
كانت الجملة بسيطة
لكنها كانت تحمل شيئًا أكبر
أحمد لم يكن يحب أن يقول شيئًا ثم لا يفعله
وكانت منة بدأت تعرف هذه الصفة فيه
كلما وعدها بشيء
حاول أن يفعله
وكلما قالت له إنها تحب شيئًا
تذكره
وكلما احتاجت إلى وجوده
وجدته
وبعد فترة
عادوا ليكملوا اليوم
ركبت منة لعبة أخرى
وعندما بدأت اللعبة
أمسكت بيدها بقوة
وقالت
أنا خايفة
قال أحمد
متخافيش
قالت
إنت مش خايف
قال
أنا معاكي
قالت
يعني لو خفت
قال
أخاف معاكي
ضحكت
وقالت
كده أنا اطمنت
وعندما انتهت اللعبة
نزلت منة وهي تضحك
وقال أحمد
شايفة
قالت
أنا كنت خايفة
قال
بس ضحكتي
قالت
عشان كنت معايا
توقف أحمد للحظة
كانت تلك الجملة مختلفة
لأنها لم تكن عن لعبة
كانت عن معنى وجوده بجانبها
قال بهدوء
وأنا نفسي أفضل معاكي في كل حاجة
سكتت منة
لكن عينيها قالتا ما لم تستطع الكلمات قوله
…
مع اقتراب المساء
بدأ اليوم يهدأ
وكان الجميع قد تعب من كثرة الحركة
جلسوا قليلًا
وكان أحمد يشعر بسعادة كبيرة
لأنه نجح في شيء كان يريده منذ أن فكر في الخروجة
لقد جعل منة تضحك
جعلها تنسى الوقت
وجعلها تعيش يومًا بعيدًا عن الروتين
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن قد جاءت بعد
فجأة قالت منة
أحمد
قال
نعم
قالت
ممكن نروح مكان تاني
استغرب
وقال
فين
قالت
الحسين
نظر إليها أحمد للحظات
لم يتوقع الطلب
قال
الحسين
قالت
آه
ثم ابتسمت
وقالت
نفسي أروح هناك
قال
من عيوني
وانطلقوا
وكان الطريق مختلفًا تمامًا عن أجواء الملاهي
هدأ كل شيء
والضحك الذي كان يملأ المكان تحول إلى سكينة
وعندما وصلوا
شعرت منة بشيء مختلف
لم تكن تبحث عن لعبة
ولا عن ضحكة
كانت تبحث عن لحظة تشكر فيها الله
دخلوا
وكان قلبها هادئًا
ثم التفتت إلى أحمد
وقالت
تعرف أنا ليه طلبت أجي هنا
قال
ليه
قالت
عشان عايزة أشكر ربنا
سكت أحمد
قالت
أنا من يوم ما دخلت حياتك وأنا حاسة إن ربنا رزقني بحاجة كنت بدعي بيها
ثم نظرت إليه
وقالت
مش عايزة اليوم يعدي من غير ما أشكره على وجودك في حياتي
لم يستطع أحمد أن يرد مباشرة
كانت الكلمات أكبر من أن تمر عليه عاديًا
جلسا في هدوء
وصلّيا
وبعد الصلاة
رفعت منة يديها
وبدأت تدعو
كان أحمد يسمعها بصمت
كانت تشكر الله على ما رزقها
وتطلب منه أن يحفظ هذا الخير
وأن يبارك لهما
وأن يكتب لهما الخير في كل خطوة قادمة
كان أحمد ينظر إليها
وعيناه بدأت تمتلئان بالدموع
لم تكن دموع حزن
كانت دموع امتنان
شعر في تلك اللحظة أن كل التعب الذي مر به
وكل الظروف الصعبة التي عاشها
وكل الأيام التي كان فيها يشعر أنه وحيد
كانت مجرد طريق أوصله إلى هذه اللحظة
لحظة يرى فيها إنسانة تقف بجواره
وتشكر الله لأنها وجدته
بعد أن انتهت منة من دعائها
وجدت أحمد صامتًا
قالت
مالك
مسح عينيه سريعًا
وقال
مفيش
قالت
أنت بتعيط
ابتسم وقال
مش عياط
قالت
أمال
قال
أنا بس مش عارف أشكر ربنا إزاي على اليوم ده
قالت
ليه
قال
عشان النهارده اكتشفت حاجة
قالت
إيه
قال
إني مش بس مبسوط إنك في حياتي
أنا ممتن إن ربنا اختارني أكون الشخص اللي إنتي شايفاه بالشكل ده
سكتت منة
ثم قالت
وأنا ممتنة إن ربنا رزقني بيك
خفض أحمد رأسه
وقال
يا رب ما تحرمنيش منك
قالت
آمين
ثم ابتسمت
وقالت
بس أنا عندي شرط
قال
إيه
قالت
كل ما نخرج خروجة
نختمها بحاجة تقربنا من ربنا
نظر إليها أحمد
وابتسم
وقال
وعد
قالت
وعد
قال
لأن أجمل حاجة حصلت النهارده
مش الملاهي
ولا الألعاب
ولا إنك فرحتي
قالت
أمال إيه
قال
إن آخر اليوم انتهى وإحنا بنشكر ربنا سوا
ابتسمت منة
وقالت
وأنا كمان
خرج الاثنان من المكان
وكان الليل قد بدأ يفرض هدوءه على الشوارع
لكن شيئًا داخلهما كان أكثر دفئًا من أي وقت مضى
كانت منة تمشي بجواره
وأحمد يشعر أن هذا اليوم لم يكن مجرد خروجة
كان صفحة جديدة في علاقتهما
صفحة جعلته يرى فيها الطفلة التي تفرح بمصاصة
والفتاة التي تضحك في الملاهي
والإنسانة التي تعرف كيف تشكر ربها على النعمة
وفي طريق العودة
قالت منة
أحمد
قال
نعم
قالت
أنا مش هنسى اليوم ده
ابتسم وقال
وأنا كمان
قالت
عارف ليه
قال
ليه
قالت
عشان أول مرة أحس إن يوم كامل ممكن يبقى فيه كل حاجة
ضحك وقال
يعني الملاهي والحسين
قالت
آه
ثم أضافت
والأهم
قال
إيه
قالت
أنت
نظر أحمد أمامه
وشعر أن قلبه امتلأ بالطمأنينة
ثم قال بهدوء
وأنتي أهم حاجة في اليوم كله
وعندما عاد كل واحد منهما إلى بيته
لم يكن أي منهما يريد أن ينام
كانت منة تتذكر ضحكاته وهو يراها تخاف من الألعاب
وتتذكر المصاصات
وتتذكر دعاءها
وكان أحمد يتذكر ابتسامتها
ويدعو الله في صمت
أن يحفظها له
وأن يحفظ قلبها
وأن يرزقه القدرة على أن يظل سببًا في سعادتها
وفي تلك الليلة
نام أحمد وهو يشعر أن الحب الذي بدأ بكلمة قبول
وبعدها مكالمات
ثم اشتياق
ثم تفاصيل صغيرة
بدأ يتحول إلى شيء أكبر
شيء يجمع بين القلب والعقل
وبين الفرح والطمأنينة
وبين الحب والدعاء
وكانت تلك هي أجمل بداية يمكن أن يحلم بها قلبان
لأن أحمد ومنة لم يعودا يبحثان فقط عن لحظات جميلة يعيشونها معًا
بل بدآ يبحثان عن حياة كاملة
يكون فيها كل واحد منهما
سندًا للآخر
وفرحة له
وطمأنينة يعود إليها
كلما أتعبته الحياة
انتظروا الجزء القادم
![]()
