...
IMG 20260820 WA0005

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

لم تمر أيام كثيرة بعد الخلاف الصغير الذي حدث بين أحمد ومنة

 

لكن شيئًا تغير بينهما

 

لم يعد الاتفاق الذي تحدثا عنه مجرد كلمات جميلة قيلت في مكالمة وانتهت

 

بدأ كل واحد منهما يطبقه دون أن يشعر

 

إذا ضايق أحدهما شيء

 

يتحدث

 

إذا حدث سوء فهم

 

يسأل قبل أن يحكم

 

وإذا شعر أحدهما أن الآخر تغير

 

لا يترك المسافة تكبر

 

كان أحمد قد بدأ يفهم أن الحب ليس أن تكون الأيام كلها هادئة

 

بل أن تعرف كيف تحافظ على هدوء قلبك عندما تصبح الأيام صعبة

 

ومنة كانت تتعلم الشيء نفسه

 

كانت تحاول ألا تجعل الخوف يتكلم بدلًا منها

 

وألا تجعل لحظة غضب تهدم شيئًا بنته أيام طويلة

 

وفي أحد الأيام

 

كان أحمد يتحدث مع منة في المساء

 

وكانت المكالمة مليئة بالضحك

 

حكت له عن موقف حدث معها في البيت

 

فضحك حتى قال لها

 

إنتي لو فضلتي تحكيلي كده أنا مش هعرف أنام

 

قالت

 

هو أنا اللي بحكيلك ولا إنت اللي بتسألني

 

قال

 

أنا بحب أسمعك

 

قالت

 

حتى لو كلامي كتير

 

قال

 

خصوصًا لو كلامك كتير

 

ضحكت

 

وقالت

 

إنت عارف إنك بقيت بتعرف تقول كلام حلو في الوقت الصح

 

قال

 

مش كلام حلو

 

أنا بقول اللي حاسه

 

قالت

 

وده اللي بيخليه حلو

 

سكت أحمد للحظة

 

ثم قال

 

منة

 

قالت

 

نعم

 

قال

 

نفسي اليوم اللي نكون فيه في بيت واحد ييجي بسرعة

 

سكتت

 

ثم قالت

 

وأنا كمان

 

قال

 

نفسي أرجع من الشغل ألاقيكي

 

قالت

 

وأنا نفسي أستناك

 

قال

 

ونقعد نحكي عن يومنا

 

قالت

 

ونتخانق على مين يعمل الشاي

 

ضحك وقال

 

أنا اللي هعمله

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

عشان إنتي هتكوني تعبانة

 

قالت

 

طب وأنا هعمل لك إيه

 

قال

 

تفضلي جنبي

 

قالت

 

بس كده

 

قال

 

بس كده

 

ثم أضاف

 

وجودك لوحده كفاية

 

ابتسمت منة

 

وكانت تلك اللحظات البسيطة هي أجمل ما في علاقتهما

 

لم تكن تحتاج إلى مناسبة

 

ولا هدية

 

ولا مكان خاص

 

كان يكفي أن يتحدثا عن بيت لم يأتِ بعد

 

وكأنهما يعيشان فيه بالفعل

 

لكن الحياة

 

كانت تستعد لتضع أمامهما أول اختبار حقيقي

 

بدأت الظروف المادية تضغط على أحمد أكثر

 

كانت مسؤولياته تزداد

 

ومصاريف الحياة لا تنتظر

 

وكان يعرف أن الزواج يحتاج إلى الكثير

 

بيت

 

وتجهيزات

 

ومصاريف

 

ومسؤوليات

 

وهو لم يكن يريد أن يبدأ حياته مع منة وهو يشعر بالعجز أمام أبسط احتياجاتها

 

كان يعمل ساعات طويلة

 

ويعود مرهقًا

 

ثم يخفي تعبه عنها

 

ليس لأنه لا يريد أن يخبرها

 

بل لأنه كان يخاف أن يجعلها تشعر أنها اختارت شخصًا لا يستطيع أن يوفر لها الحياة التي تستحقها

 

وفي إحدى الليالي

 

كانت منة تتحدث معه

 

وقالت

 

أنت تعبان

 

قال

 

شوية

 

قالت

 

شوية دي بقت كل يوم

 

قال

 

ضغط شغل

 

قالت

 

طيب كلمني

 

قال

 

أنا بكلمك

 

قالت

 

لا

 

إنت بتكلمني بجسمك

 

لكن دماغك في مكان تاني

 

ضحك أحمد رغم تعبه

 

وقال

 

يعني إنتي بقيتي تعرفي أنا بفكر في إيه كمان

 

قالت

 

أيوه

 

قال

 

طب قولي

 

قالت

 

إنت خايف

 

سكت أحمد

 

كانت الكلمة في مكانها تمامًا

 

قال

 

من إيه

 

قالت

 

من المسؤولية

 

لم يرد

 

فقالت

 

صح

 

أخذ أحمد نفسًا عميقًا

 

ثم قال

 

آه

 

أنا خايف

 

قالت

 

من إيه بالظبط

 

قال

 

من إني ما أقدرش أعمل كل اللي نفسي أعمله

 

من إني أتأخر في تجهيز حاجة

 

من إنك تستني حاجة وأنا ما أقدرش أوفرها

 

من إن الظروف تضغط عليكي

 

ثم قال بصوت أهدأ

 

أنا نفسي أخلي حياتك معايا أحسن حياة

 

قالت

 

وأنا مش مستنية منك حياة مثالية

 

قال

 

بس أنا مستني من نفسي ده

 

قالت

 

وده اللي بيتعبك

 

سكت

 

ثم قالت

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

أنا اخترتك أنت

 

مش اخترت المرتب

 

ولا البيت

 

ولا الحاجات اللي هتجيبها

 

أنا اخترت الشخص اللي هعيش معاه

 

نظر أحمد أمامه

 

وشعر أن شيئًا كان يضغط على صدره بدأ يخف

 

قالت

 

إحنا اتفقنا من الأول إننا نواجه المشاكل مع بعض

 

يبقى ليه لما تكون المشكلة عندك تحاول تشيلها لوحدك

 

قال

 

عشان أنا راجل

 

قالت

 

والراجل مش معناه إنه ما يتكلمش

 

الراجل كمان يعرف إمتى يقول أنا تعبت

 

سكت أحمد

 

ثم ابتسم

 

وقال

 

أنا بحبك

 

قالت

 

وأنا عارفة

 

قال

 

لا

 

إنتي مش عارفة

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

عشان كل مرة بتقولي كلام يخلي حبي ليكي يزيد

 

ضحكت

 

وقالت

 

يبقى خلاص

 

نتعب سوا

 

قال

 

نتعب سوا

 

قالت

 

ونفرح سوا

 

قال

 

وننجح سوا

 

قالت

 

ونغلط سوا

 

قال

 

ونصلح سوا

 

ثم ضحكا

 

وكانت تلك الضحكة في نهاية حديث ثقيل

 

أجمل من أي كلمة رومانسية

 

لكن المشكلة لم تنتهِ عند ذلك

 

فبعد أيام

 

حدث خلاف بين العائلتين حول بعض تفاصيل الزواج

 

لم يكن الخلاف كبيرًا

 

لكنه كان كافيًا ليجعل الجو مشحونًا

 

وصل الأمر إلى أحمد

 

وكان من الممكن أن يغضب

 

كان من الممكن أن يرفع صوته

 

أو يشعر أن أحدًا لا يقدّر ظروفه

 

لكنه تذكر منة

 

وتذكر وعده لها

 

أن المشاكل لا تتحول إلى معارك

 

اتصل بها

 

قال

 

منة

 

قالت

 

نعم

 

قال

 

أنا عايز أحكيلك حاجة

 

قالت

 

قول

 

قال

 

في موضوع حصل

 

وحكى لها كل شيء بهدوء

 

لم تقاطعه

 

لم تدافع عن أحد

 

لم تقل له

 

أنت غلطان

 

ولا قالت

 

أنا مش هكمل

 

استمعت حتى النهاية

 

ثم قالت

 

إنت شايف إيه

 

قال

 

شايف إن الموضوع ممكن يتحل

 

قالت

 

وأنا شايفة كده

 

قال

 

بس محتاج وقت

 

قالت

 

يبقى ناخد وقت

 

قال

 

ومش عايز حد يزعل

 

قالت

 

يبقى كل واحد يتكلم مع أهله بهدوء

 

ثم قالت

 

إحنا مش في معركة

 

إحنا بنبني بيت

 

والبيت اللي بيتبني بالصوت العالي

 

ممكن يفضل واقف

 

لكن عمره ما يبقى دافي

 

سكت أحمد

 

ثم قال

 

إنتي عارفة إنك كل مرة بتكبريني في عيني أكتر

 

قالت

 

وأنت كل مرة بتثبتلي إن اختياري كان صح

 

وبالفعل

 

تحدث أحمد مع والدته بهدوء

 

وتحدثت منة مع والدتها

 

ولم يسمح أي منهما بأن يتحول الخلاف إلى صراع

 

ومع مرور الأيام

 

بدأت الأمور تهدأ

 

وكانت المفاجأة أن بعض التفاصيل التي بدت مستحيلة في البداية

 

وجدوا لها حلولًا بسيطة

 

جلس أحمد ذات ليلة مع منة

 

وقال

 

شايفة

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

الموضوع اللي كنا فاكرينه كبير

 

قالت

 

اتحل

 

قال

 

آه

 

قالت

 

عشان إحنا اتكلمنا

 

قال

 

وعشان إنتي ما سبتيش إيدي

 

قالت

 

ولا إنت

 

ثم سكتت

 

وقال أحمد

 

تعرفي أنا اتعلمت حاجة

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

إن المشكلة مش بتخوفني

 

اللي كان بيخوفني إني أواجهها لوحدي

 

قالت

 

وأنا كمان

 

قال

 

من النهارده أي حاجة تحصل

 

قالت

 

نواجهها

 

قال

 

سوا

 

قالت

 

سوا

 

ثم قال أحمد

 

بس عندي حاجة أهم

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

لو الدنيا كلها وقفت ضدنا

 

متخليش ده يخلينا نقف ضد بعض

 

ساد الصمت

 

كانت الجملة بسيطة

 

لكنها أصبحت قاعدة بينهما

 

لأنهما أدركا أن أصعب شيء يمكن أن يحدث لأي علاقة

 

ليس أن تواجه مشكلة

 

بل أن يتحول الشخص الذي تحبه إلى خصم لك أثناء المشكلة

 

وكان أحمد ومنة قد قررا منذ البداية ألا يسمحا لهذا أن يحدث

 

وفي آخر تلك الليلة

 

قالت منة

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

أنا مش عايزة حبنا يبقى مجرد إننا بنحب بعض

 

قال

 

أمال

 

قالت

 

عايزاه يبقى إننا نعرف نحافظ على الحب ده

 

قال

 

وده اللي هنعمله

 

قالت

 

حتى لو الدنيا صعبت

 

قال

 

خصوصًا لو الدنيا صعبت

 

قالت

 

ولو اختلفنا

 

قال

 

نتكلم

 

قالت

 

ولو زعلنا

 

قال

 

نرجع لبعض

 

قالت

 

ولو خفنا

 

قال

 

نطمن بعض

 

قالت

 

ولو تعبنا

 

قال

 

نسند بعض

 

ابتسمت منة

 

وقالت

 

يبقى إحنا كويسين

 

قال أحمد

 

إحنا مش كويسين بس

 

إحنا بنتعلم

 

ثم أضاف

 

ويمكن دي أحلى حاجة في الحب

 

إنك تلاقي شخص مستعد يتعلم معاك

 

ولم يكن أي منهما يعرف أن تلك الفترة الصغيرة من حياتهما

 

كانت تجهزهما لشيء أكبر بكثير

 

فالعلاقة التي لم تتعلم كيف تواجه الخلافات الصغيرة

 

لن تستطيع أن تتحمل الخلافات الكبيرة

 

والحب الذي لا يعرف كيف يصبر

 

لن يعرف كيف يكمل الطريق

 

لكن أحمد ومنة

 

كانا يتعلمان يومًا بعد يوم

 

أن الحب ليس أن يمسك أحدهما بيد الآخر عندما تكون الطريق سهلة فقط

 

بل أن يمسكها بقوة أكبر

 

عندما تصبح الطريق صعبة

 

وفي نهاية الصفحة

 

كان أحمد يجلس وحده بعد مكالمته مع منة

 

ابتسم

 

وقال لنفسه

 

أنا يمكن لسه مش عارف المستقبل هيكون عامل إزاي

 

لكن لأول مرة

 

مش خايف منه

 

لأن المرة دي

 

أنا مش هواجهه لوحدي

 

وفي مكان آخر

 

كانت منة تفكر في الشيء نفسه

 

ثم وضعت رأسها على وسادتها

 

وأغمضت عينيها

 

وهمست

 

يا رب

 

خلي أحمد دايمًا مطمن

 

وخلي قلبي يفضل قادر يحافظ عليه

 

وكانت دعوة صغيرة

 

لكنها خرجت من قلب بدأ يعرف معنى الحب الحقيقي

 

الحب الذي لا يكتفي بأن يقول

 

أنا أحبك

 

بل يقول

 

أنا هنا

 

وسأبقى هنا

 

حتى عندما تصبح الأيام أصعب مما نتمنى

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *