ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
Img 20250710 wa0012

الكاتب: أحمد سلطان

 

كان الممر بين غرفة المعيشة وصنبور الماء مليئًا بالأبواب والاحتمالات، لكن إن عدتُ بكأس من الماء، سأثبت للخائفين في غرفة المعيشة أن الرصاص خارج المنزل هو رصاص خارج المنزل، ولن تخون الممر أبوابه.

بدأتُ أسير عبره نحو الصنبور الذي ينتظرني في آخره، بينما سارت أبواب الغرف عن يميني وعن يساري نحو غرفة المعيشة في الاتجاه المعاكس.

كانت هذه المرة الأخيرة التي سنكون فيها معًا، أو ربما كانت منذ أسبوع مضى؟

صحيح أننا الآن معًا، ولكن بوضوح، كان كلٌّ منّا بمفرده.

أمسكتُ كأسي، واقفٌ ما بين الصنبور والباب في آخر الممر، باب المنزل الرئيسي.

أحدّق في الغرفة التي انطلقتُ منها، بابها العريض يظهر والديّ الجالسَين على الأريكة وقد وقفا بذعر.

لم يبدُ لي الممر طويلًا إلى هذا الحد إلا في طفولتي، والآن.

أمرر نظري على الطلاء المتشقق بشدة على سقفه، لدرجة أن الرصاص الذي يخترق باب المنزل يصعد نحوه.

لم يضف له أي تفاصيل جديدة. لقد اجتهد مرارًا ضيوف أبي في التنبؤ بأسباب هذا التشقق، واقترحوا كثيرًا من الحلول، ولم يكن أيٌّ منها رحيمًا على جيبه المنهك.

الباب الخشبي يحتاج إلى الطلاء أيضًا، لكن بدلًا من طلائه، أنفق أبي ما يملك على شراء قفل جديد، كما اقترحت والدتي في الأسبوع المنصرم، ولهذا.. ها هم يخلعونه الآن.

سينكسر من جهة المفاصل المتهالكة، لا من جهة القفل الجديد الذي يمنع الباب من أن يسقط بكامل ثقله فوقي.

وبدلًا من هذا، يميل نحوي نصفَ مكسور، لأكون محاصرًا بين الباب المخلوع والحائط.

لقد حاكت لي أمي هذا القفل، وثبّته أبي، وبهذا نجوتُ حتى الآن. لقد ارتديتُ باب المنزل، ونجوتُ. أكرر: الأبواب لا تخون.

أدفع الباب عني بكتفي الأيسر، بينما لا يزال الكأس في يدي. أسير خلف المسلحين الثلاثة صوب غرفة المعيشة مجددًا،

بينما تسير الأبواب عن يميني وعن يساري نحو الصنبور. لطالما انتقدت أختي الكبرى تصميم المنزل بهذا الشكل،

وأصرّت أنها ستعيد تصميمه ذات يوم. ولطالما أحبّت لعبة بناء المنازل في طفولتها، فكانت تبني منازلها في كل مكان، بما تيسّر لها من طاولات ووسائد وأغطية.

اقترحت على أبي في عمر السادسة أن يستخدم الأغطية بدلًا من الطلاء لحلِّ مشكلة سقف الممر المهترئ،

الدعابة التي سيحكيها أبي في كل بيوت القرية لشتاءات قادمة. أما اليوم صباحًا،

فقد بنت بيتًا صغيرًا عبر لفّ بعض الأغطية حول طاولة صغيرة، وثبّتت هذه الأغطية ببعض الوسائد من الأعلى،

وقرّرت أنها ستختبئ فيه إن اقتحموا منزلنا.

ضحك والدي بشدة وظنّ أنه حصل على حكايةٍ جديدة للأمسيات القادمة. لن يحصل هذا بالطبع.

أكمل سيري خلفهم، ومن بينهم ألمح أختي تركض من يسار الغرفة نحو يمينها، وقدّرت أنها تحاول الوصول إلى مخبئها، قبل أن يسقطها الرصاص.

لقد جادل أخي مرارًا بأن الاختباء مناسب إن كان ما تختبئ منه أي شيء سوى الموت. طالما أن الإنسان لا يستطيع التكيّف مع الموت، فالحل الوحيد هو الهرب.

لقد ناقض هو نفسه هذه الفلسفة مرارًا، واستخدم الهرب دائمًا، حتى ولو كان ما ينتظره مجرد توبيخ أو صفعة على أقصى تقدير.

يتطرّف الإنسان دائمًا لأسلوبه، ومهما امتلك من حججٍ تبرر هذا الأسلوب، سيظهر دومًا انحيازه، بغير قصد ودون أن يشعر.

فعندما كان صغيرًا، وفي ذات اللحظة التي يزمجر فيها أبي بغضب عند باب المنزل، كان يقفز أخي عبر النافذة الصغيرة في أعلى يمين غرفة المعيشة، للهرب نحو السطح ومنه إلى أينما يشاء.

يُطلق المسلحون النار في تلك الجهة بكثافة، وأدركت فورًا أن أخي حاول استخدامها. وأدركت أن النافذة قد خانت أخي.

زمنٌ طويل مرّ منذ توقّف أبي عن تهديده، وتوقف أخي بدوره عن الهرب. لقد تقدم أخي في العمر، دون أن تتقدم النافذة.

لا يمكننا أن نلومها، بقدر ما يمكننا أن نلوم الدجاج الذي ربّته أمي بكل حب، وذبحه أبي بكل قسوة، وأطعموه له.

كانت أمي تضع يديها على عينيها عندما يباشر أبي بذبح الدجاج، بينما كان هو يعبس لثانية قبل أن يرخي حاجبيه.

وهكذا انتهت أمي وأبي:

غطّت أمي عينيها، وعبس أبي، وتلقى الاثنان الرصاص بوجهيهما.

على المشهد أن يبدو مروّعًا، إلا أنه لسببٍ ما، بدا مكررًا ومبتذلًا. لقد قتلوا عائلتي وتوجهوا نحو الخزانة ذات الأبواب الثلاثة مباشرة ليسرقوها، بابًا لكلّ لص.

لقد بدوا عادلين فيما بينهم، والسلوك الحيواني بدائي للغاية:

“اقتل، اسرق، احرق”. تمثيل واضح لجملة: “تخسر أنت، أربح أنا، انتبهوا أنتم”.

وانتقالهم السريع بين هذه المراحل يوحي بأن المشهد مبتذل ومكرّر للغاية.

كان جذع أخي يتدلّى من النافذة، وجثة أختي أمامي، يدها تشير إلى الطاولة الصغيرة حيث بنت مخبأها. حدّقتُ فيه نحو اليمين. لم أمت بعد. لم يلتفت أحدٌ منهم بعد.

وضعتُ كوب الماء أرضًا بهدوء، ودخلتُ في مخبئها، وأسدلته خلفي. كانت يد أختي ممتدة تحت الغطاء الذي أسدلته لتوي، وبينما سمعتُهم يزمجرون، رأيتُ أصابعها تتحرك.

انكمشتُ على نفسي قدر ما أستطيع. هذا الملجأ صُمّم ليتّسع لصاحبة اليد المفروضة قربى. كان على أختي أن تنجو، لا أنا.

لكن يدها تتحرك الآن، سيغادر المسلحون بعد قليل، وأحملها إلى مستوصف القرية، وستعيش. سأتزوج وأنجب طفلًا لأعطيه اسم أبي، وستتزوج هي وتنجب طفلة وطفلًا، وتعطيهما اسم أمي وأخي.

سَنطلِي المنزل، ونبني الكثير من المخابئ فيه. سنكون مستعدّين أكثر… ثلاث رصاصات في وجه أمي، ومثلها في رأس أبي وأختي، أنهت هذا الحلم.

أرادوا التأكد من أننا خسرنا، لأنهم على ما يبدو لم يربحوا. فلقد انتهى تنقيبهم عن شيء يُسرق دون أن ينجحوا.

أرادوا أن يتأكدوا أن لا أحد سيخرج من هذا المنزل، وكان لهم ما أرادوا. بلّلوا بعض ملابس أمي بالنفط، وأحرقوا المنزل وانصرفوا.

خرجتُ من أسفل الطاولة نحو منتصف الغرفة. التهمت النيران المنزل واقتحمت الغرفة من جهة الباب.

حاولتُ أن أخرج أخي من النافذة، إلا أنني انتهيتُ بمعانقته. كانت رائحة دمه أشبه برائحة عرقه. قبّلتُ الثقوب في بطنه طالما أنني لن أستطيع الوصول إلى وجهه.

وانتقلت لتقبيل يدي أمي المليئتين بالثقوب الآن، “لقد اختفت التجاعيد من عليهما الآن يا أمي”، قلتُ لها، بينما حاولت هي، بقدر ما تستطيع، أن تخبرني عن مكان سوار الذهب.

ذاك الذي كانت تُخبّئه إلى حين نجاح والدي ببيع أرض الجبل، فتبيعه هي، ويحجزا لي مكانًا على سطح قارب يتجه نحو أوروبا.

لن يكونوا مضطرين بعدها لذبح الدجاج. لكنها فشلت، كما فشل جميع الموتى في عناق الراثين لهم.

أبي كان عابس الوجه، عبستُ في وجهه بدوري، وأدرت وجهي نحو اليسار، كانت النار قد اشتعلت بشعر أختي، النيران المشتعلة بشعر الأخت لا تُشبه أي نيران أخرى.

وقفتُ فوق جثتها، وحدّقتُ بكأس الماء الذي تركتُه قربها، كانت دماؤهم قد اختلطت به الآن، وبات ما بداخله أحمر اللون.

مددتُ يدي في قلب النار وانتزعته منها. قبل أن أغادر، حاولتُ مجددًا أن أسحب أخي دون أن أنجح، فانصرفتُ نحو عشّ الدجاج أسفل المنزل، واختبأت هناك بينهم.

عندما سيحل الظلام، سيبتسم الدجاج، وأشرب أنا ما في الكأس.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *