كتبت منال ربيعي
في دروب السالكين، حيث تنحلّ العقد الظاهرة ويبدأ القلب في تلقي العلم من النبع الغيبي، يتجلّى مقامٌ قلّ من انتبه له، مقام لا يُطلب بكثرة الأوراد ولا يُنال بكثرة الزهد، بل هو نفحة تُصيب من شاء الله له تذوّق الحضور: مقام الذوق الباطني.
أقول لكِ، يا من تسألين عن سرّ الطريق، إن هذا المقام لا يُشرح بالمنطق، ولا يُختبر بالحواس، بل يتلقاه القلب إشراقة، كأن تذوق نغمة لم تُعزف، أو تفهم نظرة لم تقع. الذوق هنا ليس طعامًا ولا شعرًا، بل حالة من الإدراك الغامض لما وراء المعاني، مقام يسبق الفهم ويعقبه، لكنه لا يتوقف عنده.
كنتُ في لحظة صفاء ذات فجر، فسمعت الآذان كأنه لا يُنادي للصلاة، بل يُناديني أنا وحدي. شعرت أن الكون كله توقّف ليستمع، لا بصوت المؤذن، بل برنّة الحنين التي عبرت من قلبه إلى قلبي. حينها فقط عرفت أنني لامست مقام الذوق الباطني، أو بالأحرى، هو الذي لامسني.
رابعة العدوية – رحمها الله – كانت تقول إن الحب لا يُقال، بل يُذاق. وذو النون المصري قال: “لأهل المحبة سرٌ لا يعلمه إلا المحبون، ولا يُقال إلا لمن ذاق.” وصدق، فالذوق هنا لا يعني العاطفة وحدها، بل قدرة خفية على الإمساك بلحظة عرفانية تتجاوز الشكل.
وأقرب لكِ المعنى: تأملي من يرى في وجوه العابرين نورًا خفيًا لا يراه سواه، أو من يسمع في صوت الأذان شوقًا كأنه النداء الأخير، أو من يقرأ آية واحدة فتحل عليه أنوار لا تحصى. الذوق الباطني لا يُبرّر، بل يُشهَد.
مرة، وأنا أمشي في سوق مزدحم، سمعت طفلًا يضحك، فغمرتني طمأنينة لا أعرف لها سببًا. كأن ضحكته كانت ذكرى قديمة نسيتها روحي وتذكّرتها. أو أتذكّر مروري بشارع حجري قديم، شعرت فيه وكأنني مررت به من قبل، لا لأن ذاكرتي تتذكّر، بل لأن قلبي ذاق روحه. هذا الذوق ليس معرفة عقل، بل فهم الروح.
إنه مقام الذين يلتقطون الإشارات، ويفهمون الرمز دون شرح، ويأنسون بالسكوت أكثر من الكلام. مقام يجعل صاحبته لا تُجادل كثيرًا، لأنها تذوق ما لا تقدر على قوله. هو حال لا يُدرّس، بل يُوهب.
وفي زمنٍ صار الصخب فيه أعلى من همس القلوب، أرى أهل الذوق الباطني كغرباء، لا يردّون القسوة بالقسوة، لأنهم ذاقوا ما يُلين، ولا ينخرطون في جدال المجالس، لأنهم سمعوا نداءً أعمق من كل أصوات العالم.
![]()
