...
Img ٢٠٢٥٠٨٠٤ ٢٢٠٦٥٣

كتب: حسين العلي 

في لحظة من لحظات التأمل النادرة، حين يسكن الضجيج ويخفت الصخب، قد يجلس المتأمل في زاوية من ذاته ليسأل: ما الذي يجعل اللغة العربية مختلفة؟ لماذا كلما قرأت فيها ازددت حيرة؟ لماذا كلما فهمت، ازددت شوقًا إلى ما لم يُفهم؟ ولماذا حين أظنني قد بلغت، أكتشف أني لم أبدأ بعد؟

ليست العربية كغيرها من اللغات التي تؤدى فيها الكلمات لأغراض نافعة فحسب. ليست مجرد تراكيب للتواصل أو وسيلة للتفاهم. إنها بنية حيّة، ممتدة، تفيض بالدهشة. في كل مفردة جذور، وفي كل جذر شجرة من المعاني، وفي كل شجرة ثمار لا تنضج أبدًا، لأنها ببساطة تنضج لتعود وتتفتح من جديد، في دورة لا تنتهي.

حين تقرأ كلمة “هوى”، تظنها تتحدث عن الميل، لكن العربية تخبرك أن “الهوى” هو الحب والسقوط والرغبة والريح والقدر والضعف… وكلها في آنٍ واحد.
وحين تقرأ بيتًا شعريًا من العصر الجاهلي، وتفهمه ظاهريًا، تكتشف أن وراءه نظامًا عروضيًا، وبعده خلفية بيئية، وتحت لغته قَسمًا، وفوق صوره استعارات مكنية، وفي داخله سياقًا تاريخيًا وروحيًا، وكأنك تمشي في مدينة من المرآة، كلّ باب فيها يفتح بابًا آخر،كلما ارتويتَ، عطشتَ أكثر.

في البدء، يظن دارس العربية أن الرحلة محددة: يتقن القواعد، يحفظ شيئًا من البلاغة، يتذوق نصوصًا، فيصير “متقنًا”. ولكن ما إن يتقدم قليلاً، حتى يكتشف حجم المحيط. يبدأ العطش من جديد: من يريد أن يفهم البلاغة لا بد له أن يمر بالفلسفة، ومن يريد أن يفهم الصرف لا بد أن يتتبع تطور الألفاظ، ومن يسعى لفهم الشعر لا بد أن يتقن الموسيقى اللغوية، ومن يقرأ النصوص الصوفية لا بد أن يفكك رموزًا تشبه الطلاسم.

وفي كل محطة، لا يُقدَّم لك الجواب، بل سؤال جديد. وكأن اللغة تتعمد أن تتركك دائمًا في منتصف الطريق، تراكض نحو يقينٍ يتوارى، ثم يعود، ثم يختفي، ثم يطل من زاوية مختلفة.

أن تتعلم العربية، لا يعني أنك ستصل إلى درجة “الإتقان” يوماً، لأن العربية لا تُتقن، بل تُعاش. كأنها شريك حياة عنيد، كلما ظننت أنك فهمته، فاجأك بوجه جديد، لا لينكر ما قبله، بل ليعمّقه.
ولهذا فإن العربية ليست علمًا فقط، بل تجربة.
كل قارئ حقيقي للعربية يشعر أحيانًا بالخجل من جهله، وأحيانًا بالذهول من فتنة التعبير، وأحيانًا بالعجز أمام بيت شعر أو آية قرآنية أو خطبة من عصور سالفة.

حتى أبسط الكلمات تكشف تعقيدها حين تتمعن فيها. تأمل كلمة “نور”، ستراها فيزيائية، روحانية، رمزية، ميتافيزيقية، فلسفية، دينية، وجدانية… وكل بعد منها يفتح عوالم جديدة من الفهم والعطش.

اللغة ليست علمًا صرفًا، بل فيها فن، وفي الفنِّ ما لا يُدرّس.
لهذا ترى أحيانًا من يحفظ القواعد لكنه لا يذوق النص، ومن يعرف الأوزان لكنه لا يطرب للبيت، ومن يُتقن الإعراب لكنه لا يرتجف أمام صورة شعرية أو معنى خفي.
ولذلك فإن اللغة العربية تطلب من أهلها شيئًا لا يعلَّم في المدارس: الذوق.
الذوق الذي يجعل القارئ يميز بين عبارة صالحة وأخرى فائقة، بين نص مفيد وآخر مدهش، بين كلامٍ يُقال، وكلامٍ يُخلَّد.

يتعامل البعض مع اللغة على أنها أداة للتواصل فحسب، لكن العربية تكشف لمن يغوص فيها أنها كائنٌ حيّ، يتنفّس الجمال، ويتشكّل في صور لا نهائية من التعبير. من المحكيات العامية إلى فصاحة الجاحظ، ومن سجع الرسائل إلى غموض التصوّف، تتعدّد الوجوه ويبقى الجوهر متماسكًا. هذا الثراء ليس دعوة للفخر فقط، بل للتواضع أيضًا. فكل معرفة في العربية تُشعرنا بجهلٍ جديد، وكل إتقانٍ يكشف لنا أن ما أتقنّاه هو جزء ضئيل من كلَّ هائل.

اللغة العربية ليست مجرّد وسيلة للتخاطب، بل هي عالَمٌ قائم بذاته، متكامل، متشابك، مُغوٍ حدّ الجنون. من يدخل هذا العالم لا يعود كما كان. لأن العربية، ببساطة، بئرٌ لا قاع له. وكلما ازدادت معرفتك بها، ازداد عطشك إلى المزيد. وكأنها لا تريد منك أن تكتفي، بل أن تبقى تلهث خلفها، كما يلهث العاشق خلف محبوبته… لا ليصل، بل ليبقى في حالة وجد.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *