...
Img ٢٠٢٥٠٨٠٥ ٢١٥٨٤٢

كتب:حسين العلي 

 

في أعماق كل إنسان، تنعقد محكمة داخلية، قاضٍ ومُتهم وشهود. تلك المحكمة الصامتة التي لا تُرى ولا تُدوَّن أحكامها على الورق، لكنها تُدوَّن على جدران القلب، وتُحفر على ملامح الضمير. غير أن كثيرين، حين تشتد جلساتها ويقترب موعد النطق بالحقيقة، يفرّون من كراسيهم الداخلية، ويلجأون إلى محكمة أخرى: محكمة الناس. يضعون أنفسهم قضاة هناك، يصدرون أحكامًا صارمة على الآخرين، لا بحثًا عن عدالة، بل هربًا من عدالة الذات.

نعم، أكبر نفاق يمكن أن يرتكبه المرء هو أن يُدين الآخرين ليغفر لنفسه. أن يُسلط الضوء على أخطاء الناس كي تبقى عتمة قلبه بعيدة عن الأنظار. أن يجلدهم علنًا ليشعر براحة داخلية لا يستحقها. هذه الراحة ليست طهارة، بل خدر. وليست يقظة ضمير، بل موته.

تأمل جيدًا في حياتك اليومية، في مجالسك، في أحاديث المقاهي، في نقاشات العائلة، وحتى في صمتك الداخلي. كم مرة وجدت نفسك تُبرر تقصيرك بأن “الآخرين أسوأ”؟ كم مرة شعرت بالارتياح لأن أحدهم انكشف بفضيحة، فشعرتَ بأن ذنبك صار أخف وزنًا؟ كم مرة قلت في سرّك: “أنا على الأقل لم أفعل مثله”، وكأن تلك المقارنة تُسقط عنك واجب الاعتراف أو التوبة؟

إنه شكل خبيث من أشكال الدفاع عن النفس، لا يُعلن عن نفسه بوضوح. لا يقول: “أنا مذنب”، بل يقول: “لكن غيري أذنب أكثر”. وكأنّ مقياس الأخلاق ليس جوهر الفعل، بل نسبته إلى أفعال الآخرين. وكأن الإنسان لا يُحاسب على فعله، بل على ترتيبه في قائمة الخطايا العامة.

أن نحكم على الآخرين هو في الظاهر فعل خارجي، لكنه في الجوهر استجابة داخلية. الإنسان الذي يُسرف في جلد الآخرين يحمل في داخله جلدًا مؤجلاً لذاته، لكنه لا يجرؤ على ممارسته. فيدينهم كي لا يدين نفسه. يُشهر أخطاءهم كي ينسى أو يتناسى خطاياه.

وهذا، في الحقيقة، ليس غفرانًا ذاتيًا، بل نفاق داخلي. لأن الغفران لا يتحقق إلا بعد المرور عبر الألم، والندم، والاعتراف، والسعي إلى الإصلاح. أما اختصاره من خلال إدانة الآخرين، فهو مجرد خدعة نفسية، تُسكّن الألم ولا تُعالجه. أشبه بمن يُعالج السرطان بمسكن للصداع.

في المجتمعات التي تغيب فيها ثقافة المحاسبة الذاتية، تنتشر ثقافة التبرئة الجماعية. نغضب حين نُنتقَد، لكننا لا نغضب من أخطائنا. نُشهر سيوف القيم في وجه من يزل، لكننا نُخفي خناجرنا التي نخزنا بها أنفسنا في الخفاء.

في مثل هذه البيئة، تصبح الأخلاق مجرد واجهة اجتماعية، لا التزامًا باطنيًا. تصبح وسيلة الفرز بين الناس، لا للبناء. نمدح الفضيلة كي نُخفي رذيلتنا، وننكر على الآخرين زلّاتهم كي لا يُشار إلى زلّاتنا.

هنا يصبح الدين أداة، والقيم قناعًا، والعدل مجرد غطاء لمناوراتنا النفسية. وهنا، يبلغ النفاق قمته.

الحقيقة أن الإنسان لا يهرب من خطيئته بقدر ما يهرب من مرآته. المرآة الحقيقية ليست ما يُظهره الناس عنا، بل ما نعرفه نحن عن أنفسنا. ولذلك يختبئ كثيرون خلف أحكامهم على الآخرين، لأنهم يخشون الجلوس مع أنفسهم دون أقنعة.

النفاق ليس دومًا كذبة علنية. أحيانًا يكون سكوتًا داخليًا. أن تسكت عن ذنبك، ثم تملأ الدنيا بصوت دينونة الآخرين، هو النفاق بعينه. ولعلنا حين نفهم هذا، ندرك لماذا كان أخطر الناس على المجتمع هم أولئك الذين يتحدثون باسم الفضيلة وهم لا يعيشونها.

نحتاج إلى إعادة تعريف الغفران. الغفران لا يعني أن أجد مَن هو أسوأ مني فأرتاح. الغفران يعني أن أملك الشجاعة لأعترف، والنية لأتغير، والصدق لأن أكون أفضل. تطهير النفس لا يتحقق بمشاهدة سقوط الآخرين، بل بالنزول إلى أعماق الذات، وتنظيفها مهما كان ذلك مؤلمًا.

فلا أحد ينجو من ذنوبه عبر ذنوب الآخرين. ولا أحد يشفى من عاهاته الداخلية عبر تشريح أجساد غيره. العدالة لا تُولد من الإدانة، بل من التواضع والاعتراف. أن تكفّ عن التحديق في عيوب الآخرين، وتبدأ بالنظر في داخلك. أن تفهم أن ذنبك لا يُغتفر فقط لأن غيرك أذنب أكثر. أن تدرك أن الحُكم على الناس لا يصنع منك إنسانًا أفضل، بل يُبعدك عن ذاتك الحقيقية أكثر.

وحده من يتطهر في الخفاء، دون ضجيج، دون مقارنات، دون شماتة، يمكنه أن يدنو من معنى الغفران الحقيقي.

لذلك، كن صادقًا مع نفسك، ولو لمرة. ضع المرآة أمامك. لا تبحث عن خطايا الآخرين لتتطهر بها، بل ابحث في قلبك عن الخطيئة التي تنتظر منك الاعتراف، لا المقارنة.

فذلك،  فقط، هو النقاء. وكل ما عداه… نفاق.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *