...
Img ٢٠٢٥٠٨١٨ ٢١٥٣١٥

 الكاتب المبدع حسين العلي 

يخطر ببالنا، متى ما سمعنا كلمة الإدمان، وجهٌ معتمٌ يخيّم على الروح أجساد منهكة بالسموم، عقول غارقة في الضباب، شبابٌ تلتهمهم المخدرات، وأرواحٌ تذوي أمام سطوة الشهوات. في وعينا الجمعي، صار الإدمان مرادفًا للكارثة والانهيار، وأضحى يعني فقدان السيطرة على الذات، وضياع الإنسان في متاهاتٍ مظلمة. لكن لو أمعنّا النظر بصدق، لرأينا أن الإدمان ليس حكرًا على الخراب وحده، بل هو ميلٌ دفين في طبيعة الإنسان، قد يتخذ وجهًا آخر مختلفًا، وجهًا يضيء لا يطفئ، يبني لا يهدم.

قد يظن الناس أن الإدمان أمرٌ طارئ، يولد في حياة الفرد حين يخطئ أو ينحرف أو يضعف. لكن الحقيقة أن بذور الإدمان مغروسة في طبيعة الإنسان منذ لحظة الميلاد. الطفل الوليد مدمن على حضن أمّه، يستحيل أن يعيش بدونه. يكبر قليلًا فيدمن على صوتها، ثم على لعبته الصغيرة التي ترافقه في نومه. وحين يدخل المدرسة، يُدمن على صحبة صديقه الأول أو على قطعة حلوى يجد فيها عزاءً صغيرًا.

الإدمان إذن ليس غريبًا عنّا، بل هو جزء من نزعة التعلّق المزروعة في أعماقنا. نحن كائنات لا نستطيع أن نحيا في فراغ؛ لا بد أن نتشبّث بشيء، بعادة، بفكرة، بشخص، أو حتى بسراب. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي “هل نحن مدمنون؟”، بل: “على ماذا ندمن؟”.

من يتأمل تفاصيل يومه يدرك أن حياته قائمة على أنماط متكررة، تتجذر في أعماقه حتى تصير عادةً أو طبعًا. واحدنا مدمن على هاتفه، وآخر على فنجان قهوته، وثالث على موسيقى بعينها أو فكرة يستعيدها ألف مرة. ليس الإدمان إلا تعلّقًا داخليًا بما يمنح النفس لذّة أو أمانًا أو معنى، ولذلك فهو ليس شرًّا مطلقًا في ذاته، بل يتحدد بالاتجاه الذي يسلكه. هنا، يطلّ علينا السؤال الجوهري: هل الإدمان لعنة حتمية، أم يمكن أن يكون نعمة إذا أُحسن توجيهه؟

ثمة ميزان بسيط يمكن أن نزن به أي عادة أو فكرة أو عمل أدمنّاه:

إن كان يقودنا إلى امتلاء الروح بالمعنى فهو خير.

وإن كان يقودنا إلى إفراغ الروح بالوهم فهو شر.

لإدراك الفرق، يكفي أن يقف المرء مع نفسه وقفة صدق.
يسألها:

١ـ هل يقودني ما أدمنه إلى النور أم إلى العتمة؟

٢ـ هل ينمّي عقلي وروحي وجسدي، أم يستهلكها ويُهدرها؟

٣ـ هل يزيدني قربًا من الناس برحمةٍ وصدق، أم يزرع في قلبي عزلةً ووحشةً وخرابًا؟

هنا يتضح أن الإدمان، كغيره من القوى الكامنة في النفس، سلاح ذو حدين. يمكن أن يرفعك إلى قمم السمو أو يُلقيك في درك الهلاك.

ليس مطلوبًا من الإنسان أن يستأصل نزعة التعلق من داخله، فذلك وهم لا سبيل إليه. بل الأجدى أن يعيد توجيهها. بدل أن يُستعبَد للمخدرات والسجائر والشاشات الفارغة، والعادات السيئة ، يمكنه أن يُدمن على الخير في صوره المتعددة:

١ـ إدمان العطاء دون انتظار مقابل، فتغدو حياته رسالة سامية.

٢ـ إدمان الابتسامة التي تُنبت الفرح في القلوب وتفتح أبواب الألفة.

٣ـ إدمان المعرفة من كتب ومصادر موثوقة ومواقع تعليمية نافعة.

٤ـإدمان الكلمة الطيبة التي تبني جسور المحبة بين الناس.

٥ـ إدمان العمل الصالح الذي يعود نفعه على الفرد والمجتمع.

غير أن أرقى أنواع الإدمان هو ما يربط الأرض بالسماء

١ـ إدمان القرآن، تلاوةً وتدبّرًا وعملاً.

٢ـ إدمان سيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، اقتداءً واتباعًا.

٣ـ إدمان الأخلاق النبوية: الصدق، العدل، الرحمة، التواضع، الصبر.

إنه الإدمان الذي يحرر الإنسان من عبودية الهوى، ويجعله ثابتًا أمام تيارات العبث والتحلل، حتى يقهر خصومه لا بسطوة سلاح ولا بجبروت مال، بل بقوة استقامته ونقاء سريرته.

هكذا، يتكشف لنا أن الإدمان ليس بالضرورة لعنةً تفتك بالإنسان. إنه طاقة محايدة، يمكن أن تكون قيدًا يسلب الإرادة ويستنزف العمر، أو جناحًا يرفع الروح ويحررها. الأمر مرهون بخيارنا على ماذا نُدمن؟ وعلى أي شيء نُعلّق أرواحنا وأوقاتنا؟

الإدمان امتحانٌ خفيٌّ يُبتلى به كل إنسان، بوعي أو بلا وعي. من أدمن على الشر سقط في هوة مظلمة، ومن أدمن على الخير صعد في مدارج النور. وهنا تكمن الحرية الحقيقية: أن نحسن الاختيار. أن نجعل من هذه الطاقة الجارفة سلمًا إلى المعنى، لا هاوية إلى العدم. حينئذٍ، يتحول الإدمان من لعنةٍ تلتهمنا إلى نعمةٍ تحيي فينا الإنسان.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *