الكاتبة منال ربيعي
النحت من تل العمارنة إلى المنيا: سيرة نهر لا ينقطع؛ في قلب الصحراء ذات يوم، وقف النحات تحتمس في ورشته بتل العمارنة، يحدّق في ملامح الملكة نفرتيتي. لم يكن يطرق على الحجر فقط، بل كان ينحت الزمن نفسه، ويضع فيه صورة الخلود. رأس نفرتيتي لم يكن مجرد تمثال، بل نافذة تضيء على وجه الجمال الإلهي، قطعة من الروح خرجت من يد بشرية لتسكن أبدية التاريخ.
ومنذ ذلك الزمن السحيق، بقيت المنيا – أرض إخناتون ونفرتيتي – موئل عبقرية النحت، كأنها خزانة أسرار لم يفرغ معينها بعد. من بين أبنائها خرجت أسماء تحمل الرسالة، مثل الدكتور إدوارد الجاولي، الذي صار رمزاً للنحت المعاصر في مصر، شاهداً على أن تلك الأرض تنجب مبدعين كما تنجب الحقول زرعها.
ثم جاء الحاضر ليكشف أن هذه السلسلة لم تنقطع. ففي مسابقة “إبداع” تحت رعاية وزارة السياحة والآثار، نهض شاب من المنيا، مصطفى محي الدين صادق، ليعيد صياغة الروح القديمة بلغة جديدة. في ثلاثة أيام فقط، صنع من الطمي الأسواني عملاً حمل اسم “الزفّة”، وكأنه يعزف على الطين لحن الحياة.
في النحت، تتجلى العروس بطرحتها الطويلة المتطايرة، إلى جوارها العريس، والناس من حولهما يضربون الدفوف في دائرة فرح لا تنكسر. ومن خلفهم، ينهض الريف المصري بكامل هيبته: أبراج الحمام تعانق السماء، الطيور تحلق في فضاء طليق، النخيل يمدّ أغصانه كأذرع مباركة، والأشجار تتمايل مع النسيم، كأنها تشارك العرس بصلوات خضراء. أما طرحة العروس، فقد تجلّت في أدق تفاصيلها، ثنيات دقيقة تتماوج مع الهواء، تحكي أن الفن حين يخرج من يد صادقة يصبح حياة نابضة، لا مجرد حجر صامت.
ولم يكن هذا العمل الوحيد في مسيرة مصطفى، فقد سبق أن أبدع تمثالاً يحاكي رأس حورس، رمز الحماية والسماء، وصاغ ميدالية عن احتفالية ترميم طريق الكباش وعيد الأوبِت، وكأنه يربط خيط الماضي العريق بالحاضر المتجدد.
نهر الفن الممتد
ما بين رأس نفرتيتي الذي أبدعه تحتمس، وعمل “الزفّة” الذي صنعه مصطفى محي الدين، يمتد خيط واحد: أن الفن المصري ليس حدثاً عابراً، بل نهر خالد يجري في دماء أبنائه. المنيا، منذ آلاف السنين، ما زالت تحمل المشعل، كأنها معبد للنحت يولد فيه الجمال من جديد.
![]()
