...
Img 20250611 wa0040

كتبت: منال ربيعي

الذي وُلِد مرتين

هل رأيتم رجلاً عاد بعد الموت؟

أنا رأيت…
كأن المشهد يُعرض أمام عيني في كل مرة تطأ فيها قدمي هذا المكان.

امرأة حبلى، بطنها المنتفخ يصرخ بثقل الحياة فيها، ووجهها تغشاه علامات الوهن.

تحمل جرة ماء، تُزيدها ضعفًا فوق ضعف. تغمض عينيها ألمًا، فينطلق رحمها بانقباض موجع.

لا تشعر بنفسها إلا وقد ألقت الجرة، وقبضت على بطنها كأنها تستجدي الألم أن يهدأ.

صرخت، وصرختها مزقت سكون النهار، واندفع طفلها ليسقط على الأرض…

لكن أي أرض؟ كانت رقعة من جنة.

ماء النهر صافٍ يعكس زرقة السماء، يلمع كمرآة سماوية.
الطفل يسقط بلا بكاء، بلا صراخ، يحملق بعيني ملاك كُتب عليه أن يسقط إلى الأرض سهوًا.

اجتمعت النساء حول الأم، يحدقن في طفل لا يبكي، لا يتنفس، لا يصرخ…

خلعت إحداهن غطاء رأسها، لفّته حول جسده الصغير، مسحت شفتيه، دلّكت ظهره، لكنه لم يتحرك.

الأم تصرخ:

«ولدي مات!»
قالت السيدة بصوت يائس حنون:

«لا يا خيتي… انتظري. سأفرك ظهره… ربما يستفيق.»

فركت ظهره، ولم يتحرك. فازداد توترها، وارتفع صراخ الأم.
ثم…

ضربت ظهره ضربة قوية، فتسبب ذلك في خروج صراخ… صراخ الحياة!
هكذا نال الطفل أولى رشفة من أنفاس الدنيا.
كانت أول أنفاسه تترافق مع الألم، وكأن الحياة لا تدخلنا إلا من باب الوجع.

جدي هو ذلك الطفل.

كان يقول لي:

ولدت ومِت، ثم بُعثت. بُعثت لأني في الحياة أنفاسًا لم أتنفسها بعد.

كان يؤمن أنه لا أحد ينال نفسًا واحدًا زيادة عما كُتب له.
أنفاسنا محدودة، بدقة ساعة رملية. نموت حين تسقط آخر حبة رمل.
ثم نبدأ دورة جديدة، في حياة لا نهائية، في ملكوت سماوي…
حيث ينطق الخالق بمهابة: يا عبادي… خلودٌ فلا موت.

لم يكن جدي رجلًا من أصحاب الشكوى، بل كان من أهل التوكل.

كان يعلم أن الموت يطارده، لكنه لم يمت حتى أفرغت ساعته آخر ذراتها.

بعد بعثه، تعلم القراءة في كتاب المدينة. حفظ القرآن، وتعلم أن العلم نور.

فكان يعلّم كل من حوله. يخطّ على الرمل، ويكتب لأصدقائه الذين لا يملكون ما يكفي للذهاب إلى الكُتّاب.

كبر، فصار يقلّد ما كانت تفعله أمه:
تجلب الحمص، الفول السوداني، السمسم، تخلطها، تعقدها بالعسل وماء الورد،
تغليها، وتصُبّها لتبرد وتقطعها.

كان يحب الحلوى، لكنه يقسمها على من يحب.
أدرك أن الطعام حين يُشارك يصبح ألذ، وأن اللذة في العطاء لا في الأكل.

أصبح دكّانه في السوق مقصدًا للأطفال.
لا يردّهم.

يعطيهم الفرح في هيئة أقراص سمسمية وفولية.
ومن أراد الهريسة المصنوعة من ماء الورد، عليه أن يتعلم أولًا كيف يكتب اسمه.

الحلوى مقابل العلم… النور مقابل اللذة… الحياة مقابل الألم.

فهم هذا الدرس مجددًا حين ماتت زوجته وفي بطنها طفل لم يخرج للحياة بمعجزة كما خرج هو. لم يلمحه، ولم يسمع بكاءه. لكنه لم ينكسر.

صار محبوب الأطفال، ينادونه:

يا عم مصباح. يقبلهم، يحتضنهم، كأنه مسيحٌ ثاني، بُعث لينشر الحب لا الحزن.

لم يندب، بل ذهب إلى حيث سقط أول مرة. جلس على شاله، وضع قدميه في الماء، وصلى لله راضيًا بما قضى به الله. كان يقول:

الحياة مرّة… وأين حلوتي يا رب؟ يقولها كطفل سماوي سقط سهوًا، وما زال قلبه متعلقًا بالسماء.

أغمض عينيه ذات مساء، ويداه على صدره. كان يعلم أن الله يخبئ له فرحة تذيب الألم وتنسيه الخوف.

فتح عينيه فرأى امرأة ترفع ثوبها وهي تخطو بجرتها. بدا كأن قدميها من بلور. لم تراه، لكنها اختل توازنها. فانتفض قلبه وذهب ليسندها، وناولها الجرة.

كانت عيناها بلون العسل، وشفتيها كقطعتين من الجنة. سار خلفها… نسي شاله، لكنه عرف طريق النور.

وصل إلى بيتها. رأى أباها يصنع الملاعق، سأل فعلم اسمها: نعمة. ومنذ اللحظة الأولى، أدرك أنها نعمة أرسلها الله إليه.

دخلت حياته، وازدادت رزقه، وباركت أيامه.
زوجة ضاحكة، بشوشة، صابرة، تصلي معه، وتشاركه الحلو والمر.

طال عقمها، فذبلت. لكنه لم يتزوج غيرها، بل أحبها كما هي.
كل ليلة، كانت تنام على صدره، تبكي، فيضمها أكثر.

ثم حملت، وولدت له نوراً.
ابنته التي رقص قلبه لها كانت ظل خطواته.
يراها فيرى، تغيب فلا يبصر.
كانت عينيه، لا نور عينيه فحسب.

دللها، حملها، أطعمها، رباها حتى تزوجت.
أحب زوجها، وأحب أولادها، وكان يصنع لها الحلوى كما كانت أمه تصنعها له.

كل يوم كان يأخذ حفيدته، ويُريها مكان ولادته، يضع يدها على صدره ويقول:
هنا وُلدت مرتين.

ثم، أتى موعد آخر قطرات الرمل.
نام… واستيقظ في ملكوت آخر،
حيث قال له الخالق:
خلودٌ فلا موت.

رأى نفسه يحدق مجددًا في سماء لا نهائية…
بلا خوف، بلا فقد، بلا ألم.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *