الكاتبة منال ربيعي
العناق هو محاولة آدم الأزلية أن يعيد حواء إلى صدره، أن يسترجع الضلع المفقود، ويعيد إلى قلبه اكتماله الأول. في تلك اللحظة، يصبح الجسد معبدًا، وتتحول الذراعان إلى قوسين يحتضنان السماء والأرض معًا. كل التفافة من ذراعيه ليست سوى رجوعٍ أبدي إلى اللحظة التي انقسم فيها الكيان الواحد إلى اثنين.
هو ليس مجرد تلاقي جسدين، بل هو احتفال الروح بعودتها إلى أصلها. كأن الكون كله يتنفس من جديد حين يلتقيان، كأن الأنهار تعود إلى منابعها، وكأن الجبال تُسند نفسها إلى جذورها العميقة. في العناق، ينطفئ الضجيج، وتتلاشى الحدود، فلا يبقى “أنا” ولا “أنت”، بل كيان واحد يستعيد صوته الأول.
حين يضمّها، يسمع آدم همسًا في داخله: “ها أنتِ تعودين إليّ، وها أنا أعود إليك.” يشعر بحرارة أنفاسها تتخلل عنقه، وبخفق قلبها يطرق صدره كطبول مقدسة. يتناثر عطرها بين كتفيه كأنفاس زهور وليدة، ويغرق في ملمس شعرها المنساب كليلٍ مطمئن. في تلك اللحظة، لا وجود للمنفى، ولا أثر للجروح، لأن العناق وحده قادر أن يلغي المسافات التي فرضها القدر. هو وعد صامت بأن الحب أقوى من الفقد، وأن الوحدة ليست قدرًا أبديًا.
العناق هو سفرٌ عبر الزمن، عودة إلى ما قبل الكلمات، إلى ذلك الصمت المقدّس الذي سبق الخليقة. هناك، في دفء الأذرع المتشابكة، وفي ارتعاشة الأجساد حين تذوب في بعضها، تنكشف ذاكرة الجنة: ليست جنة الأشجار والأنهار، بل جنة الاتساع الذي يخلقه قلبان إذا التصقا. جنة تنبض تحت الجلد، وتضيء في الصدر، وتحوّل اللحظة العابرة إلى خلود.
وفي النهاية، يبقى العناق فعلًا كونيًا، صلاةً لا تُقال بالكلمات، بل بالجسد والروح. هو معراجٌ صغير إلى الأبد، وتجسيد لقدرة الحب أن يهزم الانفصال، ويعيد للإنسان حقيقته الأولى: أن يكون كاملًا بالآخر.
![]()
