...

جثة هامدة

أكتوبر 28, 2025
Img 20251028 wa0048

 

 

الكاتبة رفيدة فتحي

 

نائم على فراش الموت كالجثة الهامدة، هذا الشاب الذي يبلغ من العمر الخامسة والثلاثين عامًا، يتذكر سنواته الماضية التي لم يسجد فيها لله، ولم يعمل عملًا يشفع له في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون.

 

كان شغله الشاغل فقط كيفية جمع الأموال والثروات والشهادات، لم يلتفت للآخرة وهو في طريقه للسعي من أجل الدنيا، وكأنه سيخلد فيها للأبد. لذلك، لم يجتهد من أجل هذا اليوم.

 

عاد به الزمن، وتذكر كلام والده وهو على فراش الموت: أن الله خلق كل العباد من إنسٍ وجنٍّ لعبادته.

ودليل ذلك قول الله:

“وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.”

وأن العبادة تشمل كل ما يحبه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية.

 

كاد أن يبكي على حاله الذي وصل إليه، ولكن حدّث نفسه أنه لن يفيد بشيء.

فتحت الطبيبة باب الغرفة لتقطعه عن شروده، فتسرّب صوت المذياع إلى الداخل بصوت الشيخ المنشاوي يتلو هذه الآية:

“قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.”

 

بكى وكأنه لم يبكِ من قبل، وجلس مستغيثًا بالله باسمه “التواب” أن يتوب عليه، وأن يرزقه عمرًا فوق عمره، لعله يعمل شيئًا من أجل هذا اليوم.

 

صاحب صلاته داخل المشفى، مستأنسًا بها، ومع الأيام قد اشتد عليه المرض، لازم فيها الاستغفار، ولم يمر يومٌ إلا وأنفق من ماله صدقةً للمحتاجين.

 

وفي هذه الليلة، في منتصف الليل، يدخل الطبيب كعادته من أجل أن يعطيه الدواء، ولكنه وجده ساجدًا لله.

جلس بجواره على المقعد ينتظره إلى أن ينتهي، ولكن دون جدوى.

اقترب منه، يحركه ويهمس باسمه، ولكن المفاجأة أن روحه قد صعدت إلى السماء.”

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *