...
IMG 20251111 WA0055

 

الكاتبة مها زايد 

 

أفاقت تمارا وهي تشعر بألم يسري في كل جسدها، حتى أنها كانت لا تستطيع أن تُحدد مصدر الألم.

نظرت لنفسها فوجدتها عارية، مجردة من أي ملابس، ممددة على سرير في غرفة لا تعرفها، ومقيدة بالحبال.

ظلت تصرخ وتنادي مستنجدة بأي أحد، حتى سمعت صوت خطوات خلف الباب وصوتًا غليظًا قائلًا:

“اسكتي شوية، ودلوقتي حد هيدخلك.”

ظلت تمارا تُحاول فك نفسها ولكن لم تستطع، فاستسلمت وغفت مرة أخرى من شدة التعب.

وبعد مدة ليست بقصيرة، سمعت صوت خطوات شخص وصوت مفاتيح تحاول فتح الباب، فضمت قدميها إلى بطنها محاولة ستر نفسها، ولكن المكشوف منها ما زال أكثر من المستور، فأغمضت عيونها من شدة الخجل والخوف.

خرج صوت مألوف بالنسبة لها إلى حدٍ ما، حاملًا بعض العبارات التي جعلتها تشعر بالاشمئزاز.

 

أدهم: كنتِ فاكرة إنك هتعرفي تهربي من أدهم الشنواني؟ غلبانة أوي إنتِ، يا حبيبتي، ما دام عيني وقعت عليكي ونفسي راحتلك، اعرفي إنك مستحيل تفلتي من بين إيدي.

 

هنا بدأت تتكلم تمارا وهي ما زالت مغمضة، وتقول له:

“مستحيل هبقى ليك، حتى لو هتموتني.”

رد عليها أدهم وهو يضحك بقوة:

“إنتِ لسه هتبقي ليا، إنتِ بقيتي خلاص يا حلوة.” وسابها وخرج.

 

فضلت تصرخ، تصرخ، لحد ما صوتها راح، ولكن لم يكترث لأمرها أحد.

ظلت على هذا الحال حتى حلّ المساء، كانت تنظر للسماء من النافذة المقابلة لها وهي تبكي وتناجي ربها، فهو الوحيد القادر على خلاصها.

دلف أدهم الغرفة فوجدها تبكي، فقال لها بعدم شفقة:

“إنتِ لسه قلباها مناحة؟ ما خلاص يا حلوة، قومي يلا علشان تاكلي.”

لم تنظر له تمارا ولم تجاوبه، فغضب أكثر وأضاف:

“عنك ما طفحتي! أنا بس عاوز أعرف أنا مش عاجبك في إيه علشان ترفضيني؟ ده ملايين البنات نفسهم بس في نظرة مني.”

 

تمارا بسخرية: مجانين بقى، هنقول إيه؟ ما هو مش بالشكل يا أستاذ أدهم، ولا بالفلوس، ياريتهم كانوا دايمين. أصل في حاجات تانية بتبين الراجل اللي بجد من اللي أي كلام، بس بقى بعيد عنك، إنت متسمعش عنها.

 

استشاط أدهم غضبًا وهو يتجه ناحيتها قائلًا:

“حاجات إيه بقى اللي بتبين؟ وأنا أوريكي.”

فهمت تمارا سوء نيته، فحاولت إصلاح الموقف وقالت:

“زي الحنية والمروءة والشهامة، زي إنك متقبلش تشوفني بالمنظر ده وأنا لسه مش على ذمتك، زي إنك متسمحش لنفسك تربطني وتهددني علشان أتجوزك بالعافية، زي إنك متقبلش تقرب من واحدة متجوزة.”

 

بصلها أدهم بعدم فهم، وهو رافع أحد حاجبيه قائلًا:

“هي مين دي اللي متجوزة؟ ومتجوزة مين أصلًا؟ وإمتى؟ إنتِ بتشتغليني صح؟”

 

تمارا: هي الحاجات دي فيها هزار أو كذب؟ أنا فعلًا متجوزة من يومين. أما من مين بقى، فدي حاجة متخصكش.

وبعدين ممكن تعرفني أنا جيت هنا إزاي؟

 

أدهم: عاوزة تعرفي جيتي هنا إزاي؟

أعرفك… أنا يا حبيبتي مش بأغلب، وليا عيون في كل حتة.

إنتِ لما أغمي عليكي وقت ما الشباب اعترضوا طريقك، كانت عربية الشرطة معدية بالصدفة، وطبعًا أخدوكي القسم، ولإني كنت مقدم بلاغ بتغيبك في كل المحافظات، وكنت عاطيهم صورة ليكي، فلما الظابط شافك واتعرف عليكي، كلمني لأنه عارفني شخصيًا، وأنا مكدبتش خبر وجيتلك على طول.

 

هنا ردت تمارا بلهفة:

يعني إحنا لسه في مطروح؟

رد عليها أدهم بتعجب:

وده هيفرق معاكي في إيه؟

تمارا: هيفرق طبعًا، كفاية إني هبقى جنب جوزي.

 

بصلها تميم بغضب، وهو بيقولها:

هو موضوع جوازك ده بجد؟ أنا واخد الموضوع هزار لحد دلوقتي علشان مفقدش أعصابي.

ثم أكمل حديثه بضحكة خبيثة:

“وبعدين لو كنتي اتجوزتي، كنت عرفت.”

 

هنا اترعبت تمارا بجد لما فهمت تلميحاته، ولكنها حاولت تتماسك وهي بتقول:

كنت هتعرف إزاي يعني؟ هتكشف عليا؟

رد عليها تميم:

إنتِ عارفة.

وسابلها هدومها وفكها وخرج.

 

ظلت تمارا تلطم خديها وتبكي بمرارة، وهو خلف الباب يبكي، فهو يحبها ولم يؤذِها، ولكنه قال لها ذلك ليجبرها على الزواج منه، وليكسر قلبها كما فعلت.

فهو شخص جيد، وليس بهذا السوء الذي تتخيله تمارا.

أمر أدهم الحارس أن ينتبه لها كثيرًا، وأن يطمئن عليها من حين لآخر، وذهب للنادي ليقابل ابن عمه وصديقه الوحيد “عمر”.

فهو رغم شهرته ووسامته التي تجذب جميع الفتيات، إلا إنه وحيد تمامًا، فهو ليس له إخوة ولا أصدقاء إلا عمر.

حتى إنه لم تكن له علاقات سابقة إلا علاقة واحدة، وانتهت بخيانتها له، فقرر من بعدها أن يكون هذه النسخة التي هو عليها الآن، فهو لم يكن هكذا من قبل.وبعد مدة من الشرود في ماضيه، كان قد وصل أدهم النادي، وعندما رأى عمر عانقه بقوة وظل يبكي.

سأله عمر عن حاله، وماذا يجري، وماذا حلّ به، فهو لم يره منذ مدة بحكم سفره، فارتمى أدهم في أحضانه وبكى كثيرًا، وبعدما هدأ، بدأ يروي له الحكاية منذ بدأت.

 

فلاش باك

 

في يوم من الأيام، بينما كان يزور أبيه في الشركة (فهو لديه شركته الخاصة)، وبينما كان عادل يخرج من الشركة بعد أن أنهى عمله، قابله أدهم وصافحه، فهو يحبه كثيرًا، فهو مسئول الحسابات الخاصة بـ”عزيز الشنواني” (والد أدهم)، ويُعد صديق العائلة المقرب، ويثق به عزيز ثقة عمياء.

 

 

بالطبع! إليك النص بعد تصحيحه إملائيًا وترقيمه فقط، دون تعديل في الأسلوب أو المضمون:

 

 

كانت تمارا مع عادل في هذا اليوم، فهي كانت في الثانوية العامة، وكانت دروسها بالقرب من شركة عزيز، فكانت تذهب تمارا لعادل كل يوم ليعودا معًا إلى المنزل، خاصةً أنها كانت تُنهي دروسها في وقت متأخر إلى حدٍ ما.

 

أحبها أدهم من النظرة الأولى، فهي كانت جميلة، وعلى الرغم من لون بشرتها غير البيضاء، إلا أنها كانت تملك عيونًا تشبه حبات القهوة، فذاب فيها أدهم من أول نظرة، وشعرها ناعم بني يشبه سنابل القمح حين تعانقها الشمس.

 

ظل أدهم هائمًا بها حتى تعجب عادل، فعلق قائلًا:

“خير يا أدهم بيه، في حاجة ولا إيه؟ أنت تعرفها؟ هي عملت حاجة تضايقك طيب ولا حاجة؟”

 

رد أدهم بتلعثم:

“هاه… لا أبدًا، مفيش حاجة، أنا بس سرحت في حاجة كده… عن إذنك، أنا هدخل لوالدي… تقدر تتفضل إنت.”

 

دخل أدهم المكتب عند والده، وهو مش مركز في أي حاجة خالص، لدرجة إنه نسي هو كان جاي ليه.

 

أما بالنسبة لتمارا، فهي كمان كانت معجبة بيه، فهو شاب في أواخر العشرينات، يعني مش أكبر منها بكتير، حوالي ست سنوات، وكمان غني ووسيم.

 

فهو مفتول العضلات وطويل القامة، حيث يسبقها في الطول بحوالي خمسة وعشرين سنتيمترًا، فهي متوسطة القامة، حيث تبلغ حوالي مائة وستين سنتيمترًا فقط، فهذا هو فرق الطول الذي تحبه. كما أنه خمري اللون، وعيونه بُنية اللون مثلها أيضًا.

 

ولكنها لم تُعطِ فرصة لنفسها لتعجب به أكثر، فهي كانت تهتم بدراستها فقط في هذا الوقت، فقامت بتأجيل هذه الخطوة إلى حين الانتهاء من الامتحانات، وهو كذلك فضّل أن يؤجّل طلب خطبتها من عادل إلى حين الانتهاء من الاختبارات، حتى لا يكون لها حُجة.

 

وفي آخر يوم في الامتحانات، ذهب ليطمئن عليها، وفي نفس الوقت يخلق حديثًا ليتعرفا على بعضهما البعض أكثر، ويعلم رأيها فيه، حتى لا يتقدم لها فترفض ويشعر بالحرج.

 

ولكنه حينما ناداها ليكلمها على انفراد، رفضت. فحينما رأته قادمًا من بعيد، قالت لصديقتها التي كانت تتحدث معها إن هذا الشاب معجب بها ويريد التحدث معها، وأنه تقريبًا أتى من أجل هذا الأمر.

 

فقامت صديقتها بتوبيخها، قائلة لها إنه متعدد العلاقات، وأنه كان على علاقة بصديقتها، وأنه تركها بدون سبب قبل الخطبة بيومين (طبعًا بتكذب علشان كانت عاوزة تخطفه هي).

 

هنا اشمأزت تمارا من تصرفه ومنه شخصيًا، فرفضت الحديث معه.

 

وعلى الرغم من هذا الموقف، إلا أن أدهم احترمها كثيرًا، ظنًّا منه أنها رفضت الوقوف معه لأنه لا يقرب لها شيئًا، فقرر أن يتقدم لخطبتها رسميًا من والدها.

 

ذهب أدهم لشركة أبيه، حيث المكتب الخاص بعادل، حتى يتحدث معه، وعندما طرق الباب، أذِن عادل للطارق بالدخول.

 

وعندما دخل أدهم، وقف له عادل احترامًا، فطلب أدهم منه الجلوس حتى يُحدثه في أمرٍ ما.

 

عادل: خير يا أدهم بيه، أنا عملت حاجة ولا إيه؟

أدهم: لا يا عمي، أبدًا، ارتاح بس حضرتك، وأنا هفهمك.

بصراحة يا عمي، أنا طالب إيد بنت حضرتك.

عادل: بنتي مين؟

أدهم: اللي كانت مع حضرتك قبل كده… هو حضرتك عندك بنات تانيين؟

عادل: أيوه، عندي واحدة عندها سبع سنين.

أدهم: أومال مين تمارا دي؟ هي مش بنتك ولا إيه؟ بس أنا سمعتها بتقولك يا بابا.

عادل: لا، هي زي بنتي، أنا متبنيها.

 

صمت أدهم لوهلة، ولكنه لم يكترث لهذا الأمر، فكرر طلبه مرة أخرى، وهنا طلب منه عادل مهلة ليشاور أهل البيت.

 

بعد بضعة أيام، أتى عادل بالرد، والذي كان لا يعلم كيف يخبره لأدهم، فهي رفضته رفضًا تامًا، حيث تريد أن تُكمل تعليمها أولًا.

 

كان رد أدهم على عادل أنه لن يمانع من أن تُكمل تمارا تعليمها، وأنها إن وافقت، سوف يساعدها في دخول الجامعة التي تريد.

 

أخبره عادل أنه سوف يخبرها مرة ثانية ويبلغه الرد.

 

أفاق أدهم من شروده على كوب ماء يسكبه عمر على وجهه، فغضب كثيرًا، وقال:

 

أدهم: إيه اللي انت عملته ده؟ انت غبي؟

عمر بحزن، محاولًا إخفاء خجله: أنا آسف، بس أنت مكنتش بترد خالص، ولا حاسس بحاجة حواليك، فخوفت عليك، وكنت عاوز أفوقك.

 

اعتذر له أدهم عن هذه الطريقة، فهو لأول مرة يُحدثه هكذا.

 

قَبِل عمر الاعتذار، وطلب منه أن يُكمل ماذا حدث بعد ذلك.

 

 

الفصل الخامس #يتبع..

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *