...
IMG 20251222 WA0042

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

لم تكن إيلين تمشي على الأرض كما يفعل البشر، نظرا لطبيعتها الكونية بل كانت تعبر فوق سحب من المرمر الأبيض، تجر خلفها ثوباً لم يصنعه خياط، بل شيدته يد الزمان.

 

 

كان فستانها عبارة عن حيٍّ كامل من البيوت المتراصة، نوافذها ليست مجرد زجاج، بل هي بوابات لقلوب الناس. كلما شعرت عائلة بالأمان، أضاءت نافذة في خصرها، وكلما سكن الحب قلباً، اشتعلت شرفة في ذيل فستانها.

 

 

في ذلك اليوم، توقفت إيلين عند حافة “الفراغ الكبير”. كان الجو بارداً لدرجة أن الكلمات تتجمد قبل أن تخرج من الأفواه، لكنها لم تكن تشعر بالبرد. كانت قبعتها الضخمة المشغولة من أوراق الخريف الذهبية تعمل كمفاعل شمسي صغير، تبث الدفء في جسدها وفي المدن التي تسكن رداءها. كانت تلك الأوراق الذهبية هي “الحصاد الأخير” للأحلام الجميلة قبل أن يحلّ شتاء النسيان.

 

 

رفعت إيلين يدها برقة، ممسكةً ببيتٍ صغير انفصل عن كتلتها. نظرت إليه بحزن؛ كانت أنواره باهتة، وجدرانه بدأت تتشقق من أثر اليأس. همست له بكلمات قديمة، لغة لا يفهمها إلا من بنى بيتاً من الأمل:

 

 

“لا تنطفئ.. فالعالم بالخارج مظلم بما يكفي”.

 

 

ومع ملامسة أناملها للجدران الباردة، سرى وميض ذهبي من قبعتها، مروراً بشعرها الفضي الطويل، وصولاً إلى غرف ذلك البيت الصغير. فجأة، قفز الضوء من النافذة تلو الأخرى، وعاد البيت لينبض بالحياة، ليعود مكانه الطبيعي ضمن نسيج فستانها المضيء.

 

 

تابعت إيلين مسيرها، خريفها يشتعل فوق رأسها، ومدنها تنام في أمان تحت حراسة عينيها، تاركةً خلفها أثراً من ذهب في قلب البياض المطلق.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *