الكاتبة هالة الشيخ
لم تعد العلاقات تُكسر ٠٠
بل تُطفأ ٠٠
والإطفاء أخطر من الكسر ٠٠
لأن ما يُكسر يترك شظايا ٠٠
أما ما يُطفأ فلا يترك حتى أثرًا يدلّ أنه كان موجودًا ٠٠
قديمًا كان الفقد حدثًا يشبه الموت الصغير ٠٠
نحمله في الذاكرة ٠٠ في الجسد ٠٠ في اللغة ٠٠
كان للغياب وزن ٠٠
وكان للانفصال طقس ٠٠ وداع ٠٠ دموع ٠٠ عتاب ٠٠ رسائل لم تُرسل ٠٠
أما اليوم ٠٠
فالغياب لم يعد حدثًا ٠٠
بل خيارًا تقنيًا ٠٠
حركة صامتة ٠٠ بلا قلب ٠٠
كأن الإنسان صار وظيفة في حياتنا لا كائنًا ٠٠
نحن لا نقطع العلاقة ٠٠
نقطع إمكانية الظهور ٠٠
لا نقول: لا أريدك ٠٠
بل نمحو المساحة التي يمكن أن تقول فيها إنك موجود ٠٠
صار الوجود نفسه مشروطًا بالرؤية ٠٠
ما لا يظهر على الشاشة ٠٠
كأنه لم يكن ٠٠
وكأن معنى الحياة تغيّر من
“أنا موجود لأنني حي”
إلى
“أنت موجود لأنك متصل”
الزر لم ينهِ العلاقة فقط ٠٠
بل أنهى فكرة أن الآخر كائن مستقل عن قراري ٠٠
صار وجوده مربوطًا بمزاجي ٠٠
بقدرتي على السماح له أو إخفائه ٠٠
وهنا تتحوّل المشاعر من إحساس ٠٠ إلى سلطة ٠٠
سلطة أن أُبقيك مرئيًا ٠٠
أو أجعلك غير قابل للإدراك ٠٠
نحن لا نمارس الفراق ٠٠
نمارس الإلغاء ٠٠
والإلغاء أقسى من الرفض ٠٠
لأن الرفض يعترف بالآخر ٠٠
أما الإلغاء فيتصرّف وكأنه لم يكن يومًا ٠٠
لم نعد نتألّم لأننا فقدنا الناس ٠٠
بل لأننا فقدنا شكل الفقد نفسه ٠٠
صار الفراق بلا طقس ٠٠
والغياب بلا ثقل ٠٠
والألم بلا صوت ٠٠
ربما الرعب الحقيقي
ليس أن يُحذف شخص من حياتك ٠٠
بل أن تكتشف أن حياتك نفسها
صارت نظامًا يسمح بحذف البشر
كما تُحذف الملفات ٠٠
![]()
