...
IMG 20260217 WA0035

 

 

الكاتبه سارة أسامة النجار

 

لطالما تساءلتُ: هل نحنُ صادقون بما يكفي لنواجه صمتنا؟ إننا نكذب، والصدقُ أحيانًا يغدو عملةً نادرةً في سوقِ الزيفِ الاجتماعي، نكذبُ لنجتمع، لنمضي، لنبهر، أو لننقذ بقايانا من طوفانِ الحقيقة. لكنَّ الكذب ليس مجرد فعلٍ طارئ، بل هو كائنٌ هلامي يقتاتُ علينا، يسكنُ في مساماتنا حتى يغدو جزءًا من كينونتنا. والمفارقةُ الكبرى ليست في خداع الآخرين، بل في تلك اللحظة الحرجة التي نبدأ فيها بتصديقِ وهمنا؛ حين نشيدُ فوق رمال الكذب قصورًا من الأحلام، ونتخيلها واقعًا صلبًا، فنحتفلُ بنتائجَ جوفاء ونبني أمجادًا من ورق، متناسين أن الأساسَ منخورٌ بالزيف.

لماذا نكذب على تلك الذات التي هي رفيقنا الوحيد في العزلة؟ ذاك الكيان الذي لن يهرب منا، ولن يلومنا، ولن ينبذنا مهما بلغت بشاعة حقيقتنا. إننا نكذبُ على أنفسنا لأننا نخشى مواجهة “الأنا” في عريها، وفي ضعفها، وفي حاجتها العميقة للحب غير المشروط. إننا نلهثُ وراء الجاه والسلطة والمصلحة في مرايا الآخرين، بينما “الأنا” الحقيقية تئنُّ جوعًا للرضا الداخلي. إن العلاج لا يكمن في تجميل القناع، بل في تمزيقه؛ في أن نحب أنفسنا كما هي، لا كما يجب أن تبدو. إنها دعوةٌ لنبذِ ذاك الانفصام الروحي، لنكون صادقين أمام مرآة الروح أولًا، فلا نخشى من طرقات الفشل على أبوابنا، ولا نهابُ الاعتراف بالخطيئة. فالحرية الحقيقية تبدأ حين نسمح للحقيقة بأن تجرحنا، بدلًا من أن يقتلنا الوهمُ ببروده؛ حين نحترم ذواتنا كفاية لنقول: “هذا أنا، بكسوري وانتصاراتي”، دون حاجةٍ لمصلحةٍ أو جاه، ودون خوفٍ من مواجهة العالم بوجهٍ عارٍ إلا من الصدق.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *