كتبت: المحبة لله
في الآونة الأخيرة، باتت أخبار جرائم القتل تتصدر المشهد بصورة مفزعة؛ حتى خيل إلينا أن العالم قد تحول إلى ساحة قتال مفتوحة، لا تراعى فيها حرمة الدم ولا تحسب فيها عواقب الأفعال. أرواح تزهق لأسباب تافهة، ودماء تسفك تحت ذرائع واهية، وضغوط نفسية أو أزمات حياتية تتخذ شماعة لتبرير أبشع الجرائم؛ لكن أي ضغوطات في هذه الحياة تستحق أن يطفئ نور روح خلقها الله؟ وأي ضيق يبرر أن تراق قطرة دم حرمها الله في كتابه العزيز؟
تتلاطم الأسئلة في الأذهان دون إجابة شافية: أين ذهبت عقولنا؟ أين ضمائرنا؟ أين استشعارنا ليوم نقف فيه بين يدي رب العالمين، يسأل فيه كل إنسان عما اقترفت يداه؟ إن حرمة الدم عظيمة، وقد جعلها الله من أعظم الحرمات؛ بل قرنها بالشرك في مواضع عدة، فكيف هان الأمر على الناس حتى صار القتل خبرًا عابرًا في نشرات المساء؟
لقد أصبحنا نعيش في غابة بشرية، لا يؤمن فيها القريب قبل البعيد. زوج يقتل زوجته، أو زوجة تزهق روح زوجها، أبٌ يفترض به أن يكون مصدر الحنان والأمان يتحول إلى مصدر رعب، وأخ يسفك دم أخيه. كيف انقلبت الموازين حتى باتت العلاقات التي تقوم على المودة والرحمة مسرحًا للعنف والدماء، أهي المخدرات، أهي القسوة التي تراكمت في القلوب؟ أم هو غياب الوازع الديني والإنساني معًا؟
إن الضغوط ليست وليدة اليوم، والأزمات لم تغب عن أي عصر؛ لكن الفارق أن الإنسان كان يحتكم إلى ضميره، ويستحضر رقابة الله عليه، ويعلم أن للضحايا رب عادلًا لا تضيع عنده الحقوق. يوم الحساب ليس فكرة عابرة؛ بل حقيقة تنتظر كل ظالم، وكل من استهان بروح لم يخلقها،، فهل نسي الناس أن لكل دم صوتًا وحق، ولكل مظلوم دعوة ليس بينها وبين الله حجاب ولا ترد؟
يا حسرتنا على حال أمة كان نبيها محمد ﷺ يوصي بالرفق، ويؤكد أن زوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم بغير حق. لقد أصبح الخوف يسكن البيوت، والقلق يملأ القلوب، والكل يترقب ما هو قادم بدعاءٍ خاشع أن يحفظ الله البلاد والعباد من شرور البشر، فما قيمة حياةٍ يفقد فيها الإنسان شعوره بالأمان بين أهله وذويه؟
إن الخلافات الزوجية، مهما بلغت حدتها، لا تبرر قطرة دم. لقد جعل الله الطلاق – رغم كونه أبغض الحلال – مخرجًا رحيمًا حين تستحيل العشرة؛ لأنه أهون بكثير من جريمة تحمل في الأعناق يوم القيامة. الفراق بالمعروف أكرم من اجتماع تدنسه الكراهية، وأطهر من علاقة تنتهي بجريمة لا تمحى آثارها من الأرض ولا من صحائف الأعمال.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الدماء؛ بل إلى يقظة ضمير، وإحياء وازع ديني وإنساني يعيد للروح حرمتها، وللحياة قدسيتها،، نحن بحاجة إلى أن نتذكر أن الغضب لحظة؛ لكن القتل نهاية لا رجعة فيها، وأن الندم مهما كان صادقا لا يعيد روح ولا يمحو ذنب عظيمًا.
علينا أن نراجع أنفسنا قبل أن يحاسبنا الله ولنستحضر أن الرحمة كانت وما زالت سبيل النجاة في الحياة وأنها الحياة رغم قسوتها لا تستحق أن نحولها إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف؛ لذا رجاء من رب العالمين أن الدنيا يعاد فيها الإنسان إنسانًا، ويعود للدم حرمته، وللضمير صوته، وللقلوب خشيتها إلى أن نحيا بسلام وطمأنينة بين بعضنا البعض.
![]()
