الكاتب أنور الهاملي
ليست القراءة دائمًا نافذةً للضوء كما يقال؛ أحيانًا تكون مرآةً قاسيةً نرى فيها هشاشتنا بوضوح. فكل كتاب نقرأه يضيف طبقةً جديدةً من الوعي، والوعي في كثير من الأحيان ليس نعمة، بل عبءٌ ثقيل. حين يقرأ الإنسان كثيرًا، يبدأ في رؤية العالم كما هو: مليئًا بالتناقض، بالخيبات، وبالأحلام التي تموت قبل أن تولد.
القراءة تجعلنا أكثر وحدة. فالقارئ الحقيقي يعيش بين عالمين؛ عالم الواقع الذي يبدو ضيقًا، وعالم الكتب الذي يبدو أعمق مما ينبغي. ومع كل صفحة، يبتعد قليلًا عن ضجيج الناس، حتى يجد نفسه غريبًا بينهم، كأنه يعرف أشياء لا يريد معرفتها.
وربما لهذا السبب تبدو القراءة فعلًا سوداويًا في جوهره؛ فهي لا تمنحنا السعادة بقدر ما تمنحنا الفهم، ولا تهبنا الطمأنينة بقدر ما تفتح أعيننا على قسوة الحقيقة. ومع ذلك، يظل القارئ يعود إلى الكتاب مرةً بعد أخرى، كمن يعود إلى جرحه القديم… لأنه الجرح الوحيد الذي يجعله يشعر أنه ما زال حيًا.
![]()
