المحررة: زينب إبراهيم
الاسم: ميمونة الشيشاني، مواليد عام ١٩٧٨، خريجة الجامعة الأردنية بكالوريوس جغرافيا، هوايتي الكتابة والمطالعة، ككاتبة أقوم بنشاطات قرائية في المدارس والجامعات، وأنا عضو في الهيئة الإدارية لرابطة الكتاب الأردنيين فرع الزرقاء.
ليست الكتابة حبرًا يسكب على الورق بل هي ذاكرة تُقاوم النسيان، ورسالة تعبر الأزمنة لتمنح الإنسان فرصة أخرى لفهم نفسه والعالم من حوله. وفي كل كاتب رحلة تبدأ بحلم صغير، ثم تكبر مع التجربة حتى تصبح مشروع حياة.
في هذا الجزء من حوارنا مع الكاتبة الأردنية ميمونة الشيشاني نقترب أكثر من عالمها الروائي، ونتوقف عند أعمالها الأدبية ورؤيتها للإبداع، وعلاقتها بالنقد، وما تخبئه للمستقبل لنكتشف كيف تصنع الكلمة جسورًا بين الألم والأمل.
بعد إصداراتك المتعددة، ما أبرز أعمالك الأدبية التي قدمتها للقارئ في أدب الكبار؟
أما في عالم الكبار فإصداري الأول كان رواية “دمعة ذئب” في جزئها الأول الصادر عن دار أكيول التركية للنشر والتوزيع، ثم رواية “كزهر اللَّي” وهو الجزء الثاني من رواية دمعة ذئب، والصادرة عن مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع في الكويت، ورواية “بين الجسر والجرس” الصادرة عن دار الآن ناشرون وموزعون في عمَّان.
من وجهة نظركِ، هل يوجد عمل أدبي يمكن أن نطلق عليه “الكامل”؟ وما الرواية التي اقتربت من هذا الوصف؟
بمنظوري الشخصي المتواضع أجد أنه لا يوجد عمل أدبي كامل بالمطلق، ولكن رواية “الحرب والسلام” للكاتب ليو تولستوي وجدتها الأقرب إلى الكمال الفني لأنها نجحت في الجمع بين شخصيات كثيرة، ومع ذلك كان لكل شخصية توقيعها الخاص، عدا أنها قصة مجتمعية سياسية تاريخية مؤثرة على المستوى الفردي والعائلي.
أما في الأدب العربي، فأرى أن ثلاثية نجيب محفوظ من الأعمال التي اقتربت كثيرًا من الكمال، إذ أظهرت القدرة على تمثيل مجتمعٍ كبيرٍ من خلال تحريك شخصيات عادية.
في أصعب محطات رحلتك الأدبية، من كان اليد التي امتدت إليكِ قبل السقوط؟
في رحلتي الكتابية التي شققتُ بها صدر المستحيل أمسكت بيدي يدان اثنتان، فمشيتُ بتوازنٍ لا أخشى التعثر، ولا أخاف السير في الجبال العالية أو الوديان السحيقة.
يد أبي لم تنفك تمسك بقلمي بحنان، وترسم لي بحبٍّ الطرقات التي يجب أن أسلكها. يد أبي تذيب الجليد عن همتي، وتكسر الصخر إن تراكم فوق قدمي، وتزيل الأشواك النامية حولي.
أما يد زوجي فتضخُّ المداد في قلمي وقلبي، تفتح الأبواب المقفلة بمفاتيح من نور، وتُحلِّق بأوراقي فوق غيمٍ ماطر، وتمسح دمعةً خفيةً قبل أن تسقط في روحي.
لو فتحنا معًا باب إحدى رواياتك، فأي عمل تختارين ليكون بوابتنا إلى عالمك؟
أود أن أفتح لكم باب روايتي الثالثة والمعنونة بـ “بين الجسر والجرس”.
هي رواية يتوارى فيها الأمل خلف أبواب اليأس، وتغلق فيها الحياةُ بوابات الموت بأقفالٍ من عمرٍ شقي. في هذه الرواية يزهر الغصن اليابس، ويحيل الأمل اليباب جنانًا، ولكن بعد صبرٍ ومشقَّة.
الرواية تأخذنا إلى عالم يستحوذ المرض فيه على كل شيء إلا الأحلام، فتسير الأجساد على جسر يربط بين ضفتين مغايرتين، يُسمع خلالها رنين جرسٍ إيذانًا بالوصول حيث الحياة.
إنَّه عالم مريضة سرطانٍ حاولت أن تجتثَّ الوحش الذي نما فيها، وحاربته بكلِّ ما أوتيت من قوةٍ روحيةٍ وطاقةٍ إيمانية.
النقد مرآة الكاتب، لكنه قد يكون قاسيًا أحيانًا.. ما أشد نقدٍ وُجِّه إليكِ؟ وكيف تعاملتِ معه؟
النقد الذي وُجِّه إليَّ كان منصبًّا على استخدام مستوىً عالٍ من اللغة العربية، واستخدام كلمات وتراكيب صعبة على أولئك الذين يقفون على شواطئ العربية ولا يتقنون الغوص في بحرها العميق.
فقد نصحني أحد النقَّاد أن أبحر قريبًا من شواطئ العامة من الناس، حتى يتسنَّى للجميع أن يتذوقوا معاني نصوصي بسهولةٍ ويُسر.
إلا أني أرفض هذه الفكرة، وأواصل الغوص، تاركةً لقرائي أدواتٍ تساعدهم على الغوص ورؤية الجمال في عالمٍ أعمق من اللغة.
وأرى أنَّ من صالحهم اتباع خطاي الثابتة، وليس من صالحي أن أتبع خطاهم المترنِّحة.
هذا النقد زادني عشقًا للغة العربية، وقربًا من مفرداتها العميقة، التي لا يريد بعض المثقفين استخدامها، لا لعيب فيها، وإنما لعيبٍ فينا.
ماذا يحمل الغد لقلمك؟ وهل هناك مشاريع جديدة تنتظر أن ترى النور؟
لدي بعض المشاريع التي أعمل عليها في الوقت الراهن، مثل مجموعة قصصية للأطفال، ورواية للفتيان.
ماذا تقولين لمن يقف الآن على بداية الطريق الأدبي، لكنه يخشى الخطوة الأولى؟
أقول له: لا تنتظر الطريق ليُقلَّك حيث تتمنَّى، واخلع عنك خوفك، فهو رداءٌ ثقيلٌ على القلب والجسد، حينها ستنمو لك جناحان من نور تُحلِّق بهما نحو القمة إن أجدتَ التحليق.
فالجناحان يحتاجان لقوتك، ولإرشاداتك، ولا يحلقان إلا وذراعاك ترفرف بهما.
ولا تخش السقوط، لأن في كل سقطةٍ درسًا، وفي كل عثرةٍ حكمة، وحتى نصل القمة لا بدَّ من أن يؤلمنا الحضيض.
كلما تعثرتَ قل لنفسك: كيف أكون ممتنًا للنور إن لم أرَ بعض الظلام؟ وكيف لي أن أستطيب العسل إن لم أذق العلقم؟
ونصيحتي لكل من أراد ركوب سفينة الكتابة أن يقرأ كثيرًا، وأن يتأمل في أسرار الكون قبل أن يقطع تذكرة السفر.
بعد هذه الرحلة بين الأسئلة والإجابات، كيف تصفين تجربتكِ معنا بكلمة واحدة؟
وجدت هذا الحوار غير التقليدي جاذبًا ومحفِّزًا كي أكتب، رأيته كمحارة في بطن بحر، تدخله حبة رملٍ ناعمة، فيقرأ أسئلتها المدهشة، ويقدِّر تعطُّشها للإجابات الباذخة، ثم أتفاجأ بحبة الرمل تخرج من المحارة المقفلة وقد توهجت وتحولت إلى لؤلؤ ثمين.
وبكلمةٍ واحدةٍ أصف هذا الحوار بـ: “المدهش”.
أخيرًا، كيف ترين مجلة الرجوة الأدبية؟ وما الرسالة التي تودين توجيهها لأسرتها؟
ما أعجبني في مجلة الرجوة الأدبية أنها مساحة واسعة للنشر أمام الكتّاب والشعراء من مختلف البلدان العربية، ويعجبني اهتمامها بنشر القصة والشعر والخاطرة والحوارات الثقافية بتوازن، وتمنح الكاتب فرصة للوصول إلى قرّاء جدد.
كما وجدتها تساهم في التعريف بالكتّاب من خلال الحوارات الثقافية الشيقة، وهذا بحدِّ ذاته تقدير للمبدع.
وطبعًا أود من منبري هذا أن أوجه للقائمين على المجلة رسالة شكر على ما يبذلونه من جهد في خدمة الأدب والثقافة، وحرصهم على إتاحة مساحة للكلمة الجميلة والإبداع الصادق، عبر فتح أبوابها للكتّاب، وإسهامها في إيصال أصواتهم إلى القراء.
شكرًا لكِ ولمجلة الرجوة الأدبية.
![]()
