الكاتب/عبدالرحمن شعبان
رسالة جاءت في حلم رجل لم ير وجه من قالها له
لا تسكن البيت إذا ناداك باسمك
ولا تصدق المرآة إذا أخبرتك أنك وحدك
وإذا استيقظت ذات ليلة ووجدت شخصًا تحبه يقف أمام باب غرفتك
فلا تذهب إليه
لأن البيت لا يفتح أبوابه للغرباء
هو يفتحها لمن يعرف أسماءهم
وعندما يقرر البيت أن يغير اسم أحد ساكنيه
فإن الشخص الذي يحمل الاسم القديم
لا يعود موجودًا في ذاكرة أحد
حتى أقرب الناس إليه
وإذا سمعت صوتًا في آخر الممر يقول لك
أنا لست أنا
فلا تجبه
لأن الذي يتكلم وقتها
قد يكون أنت
قصة بعنوان البيت الذي يغير أسماء ساكنيه
الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
استيقظ يونس في الرابعة وسبع عشرة دقيقة صباحًا
فتح عينيه فجأة
وكان قلبه يخفق بقوة كأنه كان يجري طوال الليل
ظل ينظر إلى سقف الغرفة دون أن يتحرك
لم يكن يعرف لماذا استيقظ
لكنه كان يتذكر شيئًا واحدًا فقط
صوتًا
صوت شخص لم ير وجهه
كان يقف في مكان مظلم داخل حلمه
ولا يظهر منه سوى ظل طويل على الحائط
ثم قال له
لا تسكن البيت إذا ناداك باسمك
يونس لم يفهم
ثم سمع الصوت مرة أخرى
لا تصدق المرآة إذا أخبرتك أنك وحدك
وبعدها
اقترب الظل منه
وقال جملة أخيرة
إذا تغير اسمك
اهرب قبل أن تتغير ذاكرتك
ثم استيقظ
جلس يونس على حافة السرير
مسح وجهه بيده
وحاول أن يضحك
قال لنفسه إنه مجرد حلم
حلم غريب لا أكثر
لكنه عندما ذهب إلى الحمام
توقف أمام المرآة
نظر إلى نفسه
وظل صامتًا
لم يكن هناك شيء غريب
وجهه كما هو
عيناه كما هما
شعره
ملابسه
كل شيء طبيعي
لكن قبل أن يخرج
سمع صوتًا خافتًا خلفه
يونس
استدار بسرعة
لم يكن هناك أحد
نظر إلى المرآة مرة أخرى
وكان انعكاسه واقفًا أمامه
لكن للحظة قصيرة جدًا
شعر أن الانعكاس تأخر عن حركته
رفع يده
فرفعها الانعكاس بعده بثانية
رمش يونس
فعادت المرآة طبيعية
خرج من الحمام
ولم يفكر في الأمر مرة أخرى
بعد أسبوع واحد
كان يونس يقف أمام منزل جديد
كان المنزل قديمًا
لكنه كان جميلًا بشكل غريب
يقع في شارع هادئ بعيد عن زحام المدينة
ثلاثة طوابق
واجهة حجرية داكنة
نوافذ طويلة
وشرفة كبيرة في الطابق الثاني
وكان أكثر ما لفت انتباهه
هو أن المنزل كان معروضًا للإيجار منذ فترة طويلة
بسعر أقل بكثير من أي منزل آخر في المنطقة
كان معه صديقه مازن
قال مازن وهو ينظر إلى المبنى
البيت شكله حلو
يونس ابتسم
قال
أهو ده اللي كنت بدور عليه
قال مازن
بس أنا مش فاهم ليه صاحبه سايبه بالسعر ده
رد يونس
يمكن عايز يخلص منه
ظهر رجل مسن عند الباب
كان يرتدي ملابس بسيطة
وعندما اقترب منهما
قال
أنت يونس
توقف يونس
قال
أيوه
نظر الرجل إليه طويلًا
ثم قال
غريب
سأله يونس
في إيه
قال الرجل
ولا حاجة
ثم فتح الباب
دخل يونس
من اللحظة الأولى
شعر بشيء غير مريح
المنزل كان واسعًا
نظيفًا
لكن هادئًا بشكل غير طبيعي
لا صوت سيارات
لا أصوات جيران
ولا حتى أصوات الرياح
كأن الجدران كانت تمتص كل شيء
أشار الرجل إلى الطابق الثاني
وقال
غرف النوم فوق
ثم أضاف
بس فيه حاجة لازم تعرفها
قال يونس
إيه
قال الرجل
البيت ده قديم
لكن كل اللي عاشوا فيه كانوا ناس محترمين
سأله مازن
طب ليه الإيجار رخيص
الرجل لم يرد مباشرة
ثم قال
لأن الناس هنا ما بتكملش كتير
نظر يونس إليه
وقال
يعني
ابتسم الرجل ابتسامة غريبة
وقال
كل واحد له ظروفه
أخذ يونس المفتاح
ووقع العقد
ولم يعرف وقتها
أنه وقع على شيء أكبر بكثير من عقد إيجار
بعد ثلاثة أيام
انتقل يونس إلى المنزل
وكانت معه حبيبته مريم
لم تكن زوجته بعد
لكن علاقتهما كانت قد وصلت إلى مرحلة جدية جدًا
وكانا يخططان للزواج خلال الأشهر القادمة
مريم كانت تحب المنزل
قالت وهي تقف في الشرفة
أنا حاسة إن المكان ده هيبقى بداية جديدة لينا
ابتسم يونس
وقال
أنا كمان حاسس كده
اقتربت منه
وقالت
بس عندي إحساس غريب
سألها
إيه
قالت
مش عارفة
البيت ده كأنه كان مستني حد
ضحك يونس
وقال
مستني صاحبته
قالت
لا
كأنه مستنينا إحنا
لم يهتم يونس بكلامها
لكن في تلك الليلة
حدث أول شيء غريب
كانت الساعة الثانية عشرة وعشر دقائق
كان يونس في غرفة النوم
ومريم في الحمام
وفجأة
سمع صوت امرأة تناديه من آخر الممر
يونس
فتح عينيه
كان الصوت واضحًا
قال
مريم
لكنها لم تجبه
ثم جاء الصوت مرة أخرى
يونس
كان الصوت هذه المرة أقرب
خرج من الغرفة
وجد الممر مظلمًا
قال
مريم
لم يرد أحد
ثم ظهر شيء عند نهاية الممر
ظل امرأة
واقفة
قال يونس
مين هناك
لم يتحرك الظل
ثم سمع صوتًا
أنا مش مريم
أضاء يونس المصباح
اختفى الظل
في نفس اللحظة
خرجت مريم من الحمام
قالت
إنت بتعمل إيه هنا
نظر إليها
ثم قال
إنتي كنتي بتناديني
قالت
لا
أنا كنت في الحمام
نظر الاثنان إلى آخر الممر
كان فارغًا
ضحكت مريم محاولة تخفيف الموقف
وقالت
يمكن البيت بيهزر معاك
لكن يونس لم يضحك
في اليوم التالي
وجد شيئًا محفورًا على باب غرفة النوم
كلمة واحدة
مريم
مسحها بيده
وظن أن شخصًا ما كتبها قبل انتقالهما
لكن في الليل
وجد كلمة أخرى
يونس
هذه المرة
كانت محفورة من الداخل
بدأ القلق يتسلل إلى قلبه
بعد أسبوع
بدأت مريم تتغير
لم تكن مريضة
لكنها أصبحت أكثر صمتًا
وفي إحدى الليالي
قالت له
يونس
أنا حلمت حلم غريب
سألها
إيه
قالت
كنت ماشية في البيت
وكان كل الأبواب مفتوحة
بس كل غرفة كان فيها شخص
وكلهم كانوا بينادوا عليا باسم مختلف
سألها
زي إيه
قالت
مرة كانوا بيقولوا لي سارة
ومرة ندى
ومرة هناء
وفي آخر الحلم
كان فيه واحدة واقفة قدام المراية
وقالت لي
اسمك مش مريم
نظر إليها يونس
وشعر ببرودة في أطرافه
قال
مريم
إنتي فاكرة حلمي اللي حكيت لك عنه قبل ما نشتري البيت
قالت
أيوه
قال
أنا حلمت نفس الحاجة
ساد الصمت
ثم قالت مريم
يمكن البيت ده له علاقة بالأحلام
بدأ يونس يبحث
سأل سكان الشارع
لكن أغلبهم لم يعرف شيئًا
حتى قابل امرأة عجوزًا كانت تسكن في المنزل المقابل
عندما ذكر اسم البيت
تغير وجهها
قالت
إنت ساكن هناك
قال
أيوه
قالت
لازم تمشي
سألها
ليه
قالت
البيت ده مش بيأذي الناس
قال يونس
أمال بيعمل إيه
قالت
بيغيرهم
سكت يونس
قالت
من سنين
كانت عيلة كاملة ساكنة فيه
الأب
الأم
وثلاث أولاد
وفي ليلة واحدة
خرج الأب
ومرجعش
بعده الأم
وبعدين الأولاد
لكن الغريب
إن كل واحد كان بيخرج وهو بينادي نفسه باسم مختلف
قال يونس
يعني إيه
قالت
كانوا بينسوا أسماءهم
سأل
فين راحوا
قالت
بعضهم مات
وبعضهم اختفى
والباقي
محدش يعرفه
سألها
والبيت
قالت
فضل واقف
عاد يونس إلى المنزل
حكى لمريم
لكنها لم تصدقه
قالت
يمكن الست كبيرة وبتحكي كلام قديم
في تلك الليلة
نامت مريم مبكرًا
أما يونس
فجلس في الصالة
كان يشعر أن هناك شيئًا يراقبه
عند الثالثة إلا عشر دقائق
سمع صوت خطوات فوقه
رغم أنهما كانا في الطابق الأخير
ثم سمع صوت مريم
تناديه
يونس
رفع رأسه
مريم كانت نائمة أمامه
الصوت جاء من فوق
ثم سمع صوتًا آخر
يونس
تعالى
اقترب من السلم
كان الظلام شديدًا
وفجأة
سمع صوت مريم من الأعلى
تعالى
ثم نظر إلى مريم النائمة أمامه
فتح عينيه بصعوبة
وقال
مريم
فتحت عينيها
قالت
في إيه
نظر يونس إلى السلم
ثم قال
ولا حاجة
لكن شيئًا كان قد بدأ بالفعل
في الصباح
استيقظت مريم
وجدت ورقة بجانب سريرها
كانت مكتوبًا عليها
اسمك الحقيقي ليس مريم
ضحكت في البداية
لكن عندما قرأتها مرة أخرى
لم تستطع الضحك
سألت يونس
إنت كتبت دي
قال
لا
قالت
طب مين
لم يجد جوابًا
وفي نفس اليوم
حدث شيء أكثر غرابة
خرجت مريم لشراء بعض الأشياء
وعندما عادت
وجدت رجلًا أمام الباب
قال لها
أخيرًا رجعتي يا سارة
تجمدت
قالت
أنا مش سارة
نظر الرجل إليها باستغراب
ثم قال
معلش
افتكرتك حد تاني
دخلت مريم
لكن الرجل ظل ينظر إليها حتى اختفت
في الليل
قالت ليونس
الرجل ده كان غريب
قال يونس
قال لك سارة
أيوه
سكت يونس
ثم فتح جهاز الكمبيوتر
وبدأ يبحث عن اسم البيت
وجد منتدى قديمًا
فيه موضوع عمره أكثر من خمسة عشر عامًا
العنوان كان
لا تسكنوا في البيت رقم 17
قرأ الموضوع
كان شخصًا يكتب
أنا عشت في البيت ده مع زوجتي
في أول شهر كل شيء كان طبيعي
ثم بدأت زوجتي تحلم بأسماء أخرى
بعد فترة
بدأت تناديني باسم رجل لا أعرفه
وبعدها
في يوم
نظرت إلي وقالت
أنت مش زوجي
ثم اختفت
وفي نهاية الموضوع
كانت هناك جملة
البيت لا يسرق الأرواح
البيت يسرق الأسماء
أغلق يونس الصفحة
ثم نظر إلى مريم
قال
إحنا لازم نمشي
قالت
دلوقتي
قال
دلوقتي
جمعا أغراضهما
لكن عندما فتح يونس الباب
لم يجد الممر
وجد غرفة
غرفة لم يرها من قبل
كانت مليئة بالمرايا
قالت مريم
إحنا دخلنا الغرفة دي إزاي
أغلق الباب
فتح مرة أخرى
عاد الممر
نظر إليها
قال
ما ندخلش هنا تاني
لكن بعد دقائق
سمعا صوت بكاء
جاء من الغرفة
كان صوت مريم
نظرت مريم إلى يونس
قالت
ده صوتي
اقتربا
فتح يونس الباب
كانت المرايا كلها مغطاة بقطعة قماش
لكن في وسط الغرفة
كانت هناك مرآة واحدة مكشوفة
اقتربت مريم
نظرت فيها
صرخت
قال يونس
إيه
أشارت إلى المرآة
رأى يونس انعكاسهما
لكن خلفهما
كانت تقف امرأة
امرأة تشبه مريم تمامًا
قالت المرأة من داخل المرآة
متخلوش البيت ياخدها
صرخ يونس
إنتي مين
قالت
أنا مريم
نظرت مريم إلى يونس
قالت
دي أنا
ردت المرأة
أنا مريم الحقيقية
بدأت مريم في البكاء
قالت
يونس متصدقهاش
قالت المرأة
اسألها عن أول يوم قابلتك فيه
سأل يونس
مريم
إحنا اتقابلنا فين
ترددت مريم
ثم قالت المكان
كان صحيحًا
ابتسمت المرأة في المرآة
وقالت
لأنها تعرف حياتك
قالت مريم
أنا عارفة كل حاجة
قالت المرأة
اسأليها عن اسم والدتك
أجابت مريم
ثم قالت المرأة
اسأليها عن أول كلمة قلتها لك
أجابت مريم
كان كل شيء صحيحًا
ثم اقتربت المرأة من الزجاج
وقالت
البيت مش بيغير أسماء الناس
البيت بيغير الأشخاص
تراجع يونس
قال
إيه معنى ده
قالت المرأة
كل مرة يسكن فيها شخصان
البيت يختار واحدًا
يأخذ اسمه
ذكرياته
حياته
ويترك الآخر يعيش معه
لكن الشخص الذي خرج من المرآة
لا يستطيع العودة
قالت مريم
متسمعهاش
ثم حدث شيء مرعب
بدأت المرايا كلها تتحرك
وظهرت وجوه داخلها
رجال
نساء
أطفال
كلهم يطرقون على الزجاج
ثم بدأوا ينادون
بأسماء مختلفة
سارة
حسن
ندى
كريم
مريم
يونس
أمسك يونس يد مريم
وقال
هنخرج
ركضا خارج الغرفة
لكن الباب لم يعد موجودًا
كان هناك جدار
بدأت مريم تبكي
وقالت
أنا خايفة
احتضنها يونس
وقال
أنا معاكي
قالت
لو البيت خد اسمي
هتفتكرني
قال
هفتكرك حتى لو نسيت كل حاجة
قالت
وعد
قال
وعد
في تلك اللحظة
سمعا صوتًا من خلفهما
يونس
التفت
كانت المرأة
لكنها لم تعد داخل المرآة
كانت واقفة في الممر
أمسكت مريم بيده
وقالت
إحنا لازم نجري
بدأت المرأة تقترب
قالت
يونس
أنا عارفة اسمك
قال
مش هتخديه
ابتسمت
وقالت
أنا مش محتاجة أخده
ثم أشارت إلى مريم
هي اللي هتديهولي
فجأة
صرخت مريم
وضعت يديها على رأسها
وقالت
أنا مش فاكرة
قال يونس
إيه
قالت
مش فاكرة اسم أمي
ثم قالت
مش فاكرة اسم مدرستي
ثم بدأت تبكي
يونس
أنا مش فاكرة أول مرة قابلتك
صرخ
مريم
لكنها نظرت إليه
وقالت
إنت مين
تجمد
قال
أنا يونس
قالت
يونس مين
بدأت المرأة تضحك
اقتربت من مريم
وقالت
شايفة
بدأت تنسى
أمسك يونس يد مريم
وقال
مريم
بصيلي
نظرت إليه
قال
إنتي بتحبيني
قالت
أيوه
قال
إذن افتكريني
بدأت تبكي
قالت
أنا بحبك
قال
قولي اسمي
سكتت
ثم قالت
يونس
ابتسم
لكن المرأة قالت
لسه
بدأت مريم تنسى مرة أخرى
كان يونس يحاول تذكيرها بكل شيء
أول لقاء
أول مكالمة
أول خروجة
أول خلاف
أول مرة قالت له إنها تحبه
كانت تتذكر ثم تنسى
تذكر ثم تنسى
حتى قالت فجأة
يونس
قال
أيوه
قالت
لو نسيتك
متخلينيش أعيش
احتضنها
وقال
مش هسيبك
في تلك اللحظة
ظهر باب في نهاية الممر
كان باب الخروج
ركضا نحوه
لكن قبل أن يصلا
أمسكت المرأة بمريم
صرخت
يونس
أمسك يدها
شدها بكل قوته
قالت المرأة
سيبها
قال
مستحيل
قالت
لو خرجت معاها
هتخرج من البيت باسم واحد فقط
قال
إيه
قالت
اسمك
نظرت مريم إليه
وقالت
اهرب
قال
لا
قالت
لو فضلت
البيت هياخدنا إحنا الاتنين
قال
مش هسيبك
ابتسمت مريم وسط دموعها
وقالت
علشان كده أنا بحبك
ثم دفعت يده بعيدًا
وأغلقت الباب
بقي يونس في الخارج
وحده
صرخ
مريم
فتح الباب
لم يجدها
دخل البيت
كان كل شيء طبيعيًا
الغرف
الأثاث
الصور
لكن مريم لم تكن موجودة
خرج إلى الشارع
ركض إلى منزل والدتها
طرق الباب
فتحت له امرأة
قال
مريم هنا
نظرت إليه باستغراب
وقالت
مين مريم
قال
بنتك
قالت
أنا معنديش بنت بالاسم ده
سقط يونس على الأرض
بدأ يصرخ
لكن المرأة أغلقت الباب
ذهب إلى أصدقائها
لا أحد يعرفها
ذهب إلى عملها
قالوا له إنها لم تعمل معهم من قبل
فتح هاتفه
كل الصور التي تجمعهما
كانت موجودة
لكن اسمها اختفى
كانت الصور تعرض وجهها
لكن لا يوجد اسم
فتح المحادثات
كل رسائلها أصبحت من رقم بلا اسم
حاول الاتصال
الهاتف غير موجود
ثم وصلت رسالة
يونس
أنت وعدتني ألا تنساني
عرف الصوت
كان صوت مريم
رفع الهاتف
جاءت رسالة ثانية
أنا ما زلت هنا
ثم ثالثة
في البيت
عاد يونس إلى المنزل
وقف أمام الباب
كانت الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة
سمع صوتها
يونس
افتح
وضع يده على المقبض
ثم تذكر الحلم
لا تسكن البيت إذا ناداك باسمك
توقف
جاء صوتها مرة أخرى
يونس
أنا مريم
قال بصوت مرتجف
لو كنتي مريم
قولي أول كلمة قلتيها لي
ساد الصمت
ثم جاء صوتها
أنا آسفة
تجمد يونس
تلك لم تكن أول كلمة قالتها له
عرف أنها ليست مريم
تراجع
فجأة
بدأ الباب يتحرك وحده
ثم سمع عشرات الأصوات خلفه
كلها تنادي باسمه
يونس
يونس
يونس
لكنه لم يفتح
ركض بعيدًا
وفي الصباح
ذهب إلى الشرطة
وحكى كل شيء
لم يصدقه أحد
لكن عندما وصف لهم البيت
قال أحد الضباط
البيت ده مش موجود
أخرج يونس صورًا له
كان المنزل موجودًا
قال الضابط
الصورة دي قديمة
قال يونس
أنا صورتها امبارح
نظر الضابط إلى التاريخ
كان مكتوبًا على الصورة
منذ خمسة عشر عامًا
ثم حدث شيء جعل يونس يفقد القدرة على الكلام
الضابط قال
اسمك يونس
قال
أيوه
فتح ملفًا أمامه
ثم قال
إحنا عندنا بلاغ اختفاء بنفس الاسم
اختفاء شخص اسمه يونس
منذ خمسة عشر عامًا
نظر يونس إلى الملف
كانت هناك صورته
نفس الوجه
نفس العينين
نفسه تمامًا
قال الضابط
أنت مين
لم يستطع الإجابة
وفي تلك اللحظة
بدأ يتذكر
تذكر البيت
تذكر مريم
تذكر المرأة
ثم تذكر شيئًا لم يتذكره طوال الوقت
كان هو أول شخص سكن البيت
وكانت مريم أول شخص أحبه
لكن مريم لم تكن ضحية البيت
كانت الشخص الذي جاء لينقذه
وكانت تعرف منذ البداية أن البيت سيغير اسمه
لكنها أخفت الحقيقة
لأنها كانت تعرف أن يونس إذا عرف
سيهرب
والبيت لا يترك أحدًا يهرب
ثم تذكر آخر شيء
في الليلة التي اختفى فيها قبل خمسة عشر عامًا
كانت مريم معه
وكان هو من دفعها إلى المرآة
وليس العكس
هو الذي اختار أن يخرج
وتركها خلفه
لكن البيت لم يعاقبه
البيت أعاده بعد خمسة عشر عامًا
حتى يكمل الوعد
وحتى الآن
لم يكن يعرف
من الذي كان يعيش معه طوال السنوات الماضية
خرج يونس من قسم الشرطة
واتجه إلى البيت
كان يعرف أنه سيجده
وصل
وجد الباب مفتوحًا
دخل
كانت مريم واقفة في نهاية الممر
لكنها كانت تبدو أكبر سنًا
قالت
رجعت
اقترب منها
قال
إنتي مين
ابتسمت وقالت
أنا مريم
قال
الحقيقية
قالت
أيوه
قال
إيه اللي حصل
قالت
إنت وعدتني
قال
بإيه
قالت
إنك لو خرجت
هترجع لي
اقترب منها
قال
أنا رجعت
قالت
بس مش بنفس الاسم
نظر إلى المرآة
وجد انعكاسه
لكن لم يجد مريم
ثم نظر إليها
كانت واقفة أمامه
لكن المرآة لا تراها
قال
إنتي ماتة
بكت
وقالت
منذ خمسة عشر عامًا
ثم أضافت
أنا فضلت هنا علشان مستنياك
سأل
ليه
قالت
لأني كنت عارفة إنك هترجع
اقترب منها
حاول لمس يدها
كانت باردة
قال
أنا آسف
قالت
أنا مش زعلانة
ثم ابتسمت
وقالت
بس البيت لسه عايز اسمك
وفجأة
بدأت الجدران تهتز
وانطفأت الأنوار
ظهرت المرايا في كل مكان
وكانت كل واحدة تعرض حياة مختلفة
في واحدة
كان يونس متزوجًا من مريم
في أخرى
كانا عجوزين
في أخرى
كان لديهما أطفال
وفي أخرى
كان يونس وحده
وفي آخر مرآة
كانت مريم تقف وحدها
وتبكي
قالت
اختار
سأل
أختار إيه
قالت
الحياة اللي تحب تعيشها
نظر إلى المرايا
ثم نظر إليها
وقال
أنا اختار الحياة اللي كنت فيها معاكي
قالت
بس الحياة دي انتهت
قال
إذن هعيشها معاكي هنا
ابتسمت
وبكت
ثم أمسكت يده
بدأت المرايا تتحطم
والبيت بدأ ينهار
قالت
أخيرًا
قال
إيه
قالت
البيت مش كان عايز اسمك
البيت كان عايز شخص يختار الحب بدل الحياة
ثم اختفى كل شيء
في الصباح
وجدت الشرطة المنزل مهجورًا
لم يجدوا يونس
ولا مريم
ولا أي أثر لهما
لكنهم وجدوا غرفة واحدة فقط
كانت مليئة بالصور
وفي كل الصور
كان يونس ومريم معًا
في أعمار مختلفة
طفلين
شباب
كبار في السن
وفي آخر صورة
كانا يقفان أمام المنزل
وكانا يبتسمان
لكن الغريب
أن الصورة كانت تحمل تاريخ اليوم
وتحتها جملة واحدة
اسمه يونس
واسمها مريم
هذه المرة
لم يغير البيت أسماءهما
لأنهما اختارا أن يختفيا معًا
ومنذ ذلك اليوم
أصبح المنزل مغلقًا
لا أحد يسكنه
لكن أهل الشارع يقولون إنهم في بعض الليالي
يسمعون صوت رجل وامرأة يضحكان من الداخل
وأحيانًا
يسمعون صوت امرأة تقول
يونس
فيرد رجل من بعيد
أنا هنا
ثم يسود الصمت
لكن هناك شيئًا واحدًا لم يعرفه أحد
أن كل شخص يمر أمام المنزل
ويرى صورته منعكسة في إحدى النوافذ
يجد بجواره شخصًا آخر
شخصًا لا يعرفه
وفي صباح اليوم التالي
يبدأ في نسيان اسمه
أما البيت
فلا يزال ينتظر ساكنه القادم
لأن البيت لم يتوقف عن تغيير أسماء ساكنيه
هو فقط
تعلم أن الحب
هو أسهل طريقة تجعل الإنسان
يتخلى عن اسمه بنفسه
![]()
