الكاتبة: دالية عبد العزيز مسلّم
قُلْتُ لَهَا: أَعْطِينِي مَا لَدَيْكِ، فَقَالَتْ: دُخَانُ حَالِكٍ، سَوَادٌ فِي سَوَادٍ… طِفْلَةٌ فِي التَّاسِعَةِ مِنْ عُمْرِهَا، مَرْمِيَّةٌ فِي زَاوِيَةِ مَطْبَخٍ فِي بَيْتٍ قَصَفَتْهُ طَائِرَاتُ الْحَرْبِ، جَسَدُهَا النَّحِيلُ تَحْتَ رُكَامٍ لَا ذَنْبَ لَهَا فِيهِ، ثَلَّاجَةٌ قَدْ مَالَتْ عَلَى قَدَمِهَا الصَّغِيرَةِ، تُنَادِي، تَسْتَجِيرُ، لَا مُجِيبَ، تَقُولُ: أَيْنَ أَنَا؟ مَنْ أَنَا؟ مَاذَا يَحْدُثُ؟
فَقَدَتْ وَعْيَهَا؛ رُبَّمَا مِنْ كَثْرَةِ الْأَلَمِ، أَوْ رُبَّمَا مِنْ طَعْنَةِ الْأَلَمِ… بَعْدَ زَمَنٍ لَا تَذْكُرُهُ، اسْتَيْقَظَتْ عَلَى يَدِ رَجُلٍ ذَهَبَ بِهَا إِلَى سَيَّارَةِ الْإِسْعَافِ، تَرَى قَدَمَهَا تُنْهَشُ أَمَامَهَا، نَبْعٌ لَا مُتَنَاهٍ مِنَ الدِّمَاءِ، أُودِيَ بِهَا إِلَى مَحَطَّةِ الْأَشْلَاءِ… رُمِيَتْ عَلَى بَقَايَا سَرِيرٍ بِغُرْفَةٍ شِبْهِ مَهْجُورَةٍ، خَالِيَةٍ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنَ الْأَشْلَاءِ وَالْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ الدَّامِيَةِ؛ هَذَا بُتِرَتْ قَدَمُهُ، وَهَذِهِ نَزَفَ رَأْسُهَا، وَطِفْلَةٌ أُخْرَى قَدْ طُعِنَ قَلْبُهَا بِوَصْمَةِ عَارٍ عَلَى التَّارِيخِ!
هِيَ النَّاجِيَةُ الْوَحِيدَةُ مِنْ عَائِلَتِهَا، أَهْلَكَهَا الْفَقْدُ، أَمَّا الْمُصَابَةُ، فَمَعَ صُرَاخِهَا الْمُمَزِّقِ، أَقْبَلَتِ الْيَتِيمَةُ، نَظَرَتْ إِلَى بَحْرِ الدِّمَاءِ تَحْتَ قَدَمِهَا، وَرَكَضَتْ خَارِجًا وَهِيَ تُنَادِي، تَسْتَغِيثُ: خُذُوهَا، أَنْقِذُوهَا، سَتَمُوتُ كَمَا مَاتَتْ عَائِلَتِي!
فَأُنْقِذَ مَا تَبَقَّى مِنِّي، وَلَمْ أَمُتْ…
أَمَّا أَنَا، فَلَمْ أَمُتْ،
وَأَمَّا هِيَ؛ فَمَاتَ كُلٌّ مِنْ رُوحِهَا، وَقَلْبِهَا، وَعَائِلَتِهَا…
مِنْ بَقَايَا الذَّاكِرَةِ
![]()
