...
IMG 20260816 WA0004

 

 

الكاتبة: عاليا عجيزة

 

لم يكن مجرد بيت قديم مهجور. كان قصر «دانتيل» كائنًا حيًّا، شيئًا يتربص بالعمق، يتنفس ببطء خلف طبقات الغبار والزخارف الباهتة. لم يكن أحمد يؤمن بالأشباح أو الحكايات الشعبية. بالنسبة له، كان القصر مجرد تحدٍّ، اختبارًا للشجاعة وسط مجموعة من الأصدقاء، أو ربما مجرد مغامرة عابرة لكسر روتين الحياة الممل. لكنه الآن، وحيدًا تمامًا في قلب هذا الكابوس، بدأ يشعر بثقل يضيق على صدره، ثقل لا يمت بصلة بوزن الأثاث أو رطوبة الجو.

 

لقد ضل طريقه في الممرات الملتوية، ممرات تبدو وكأنها تغيّر اتجاهاتها خلفه كلما مرّ بها. لم يكن هناك صدى لخطواته، بل كان هناك سكون غريب، سكون يسبق العاصفة، أو يسبق شيئًا أسوأ بكثير.

 

فجأة، انفتح أمامه باب خشبي ثقيل، وبلا أي تفكير، دخل.

 

وجد نفسه في صالون الاستقبال الكبير. المكان كان مظلمًا، لكنه لم يكن مظلمًا تمامًا. كانت هناك إضاءة خافتة، غامضة، لا يعرف مصدرها، تنبعث من الثريا الكريستالية العملاقة المتدلية من السقف، ثريا بدت وكأنها مصنوعة من دموع متجمدة، تتلألأ ببريق بارد، كئيب. الأثاث المحيط به كان من طراز عتيق، كراسي ذات ظهور مقوّسة، مغطاة بأقمشة بالية تحمل نقوشًا معقدة، وطاولات خشبية داكنة، كأنها تشهد على عهود مضت، عهود لم يكن فيها سوى الحزن والفقدان.

 

كان أحمد يقف في منتصف الصالون، محاطًا بصمت ثقيل، صمت يكاد يقطعه أنين روحه التي بدأت ترتعد خوفًا. شعر ببرودة قاتلة تتسلل إلى عظامه، برودة لا تأتي من الطقس الخارجي، بل من شيء أعمق، شيء غير ملموس، شيء يتربص به في الظلال.

 

بدأ يشعر أن الجدران تقترب منه، وكأنها تحاول سحقه، وأن النقوش على الأثاث تتحرك ببطء، تشكّل وجوهًا مرعبة تسخر منه، تتلو عليه قصصًا من العذاب والألم. لم يكن هناك مهرب، لم يكن هناك مخرج، كان محاصرًا في هذا الكابوس، محاصرًا في هذا الصالون الذي يبدو كأن لا نهاية له.

 

فجأة، شعر بشيء يتحرك خلفه. التفت ببطء، وجسده يتملكه الرعب، فرأى خيالًا، طيفًا، شبحًا لامرأة ترتدي فستانًا أبيضَ ممزقًا، فستانًا يبدو كأنه مصنوع من الدانتيل القديم، الدانتيل الذي يزين كل زاوية في هذا القصر الملعون. كانت المرأة ترقص، رقصة حزينة، يائسة، رقصة بلا نهاية، بلا معنى، بلا هدف. كانت تدور وتدور، وجسدها يطفو في الهواء كأنه دخان، وجهها مخفي خلف طبقات من القماش الممزق، لكن عيناها، عيناها، كانتا تشعان بضوء غريب، ضوء يعكس كل الحزن والألم والغضب الذي تحمله في روحها.

 

لم يكن أحمد قادرًا على التحرك، كان مجمدًا من الرعب، كأن قوى خفية تمنعه من الهروب، تمنعه من الصراخ. كان يشاهد المرأة وهي ترقص، يشاهد فستانها الأبيض يتطاير في الهواء كأنه جناحان لملائكة ساقطة، ويسمع همسات خافتة، كلمات غير مفهومة، كأنها تعاويذ سحرية قديمة، أو لعنات أبدية، تتردد في عقله، تملأ روحه بالخوف واليأس.

 

المرأة اقتربت منه ببطء، وجسدها يطفو في الهواء، وعيناها تشعان بضوء غريب، ضوء يجعله يشعر كأنه يُسحق، كأنه يتلاشى، كأنه يغرق في محيط من الحزن والألم. مدت يدها الباردة نحو وجهه، وشعر أحمد ببرودة قاتلة تتسلل إلى جلده، برودة تجمد روحه، تجعل قلبه يتوقف عن النبض.

 

وفي تلك اللحظة، في تلك اللحظة الحاسمة، انطلقت صرخة صامتة من أعماقه، صرخة تعبر عن كل الرعب واليأس الذي يشعر به، صرخة تردد في عقله، في روحه، في كل خلية في جسده.

 

وفجأة، انطفأت الثريا الكريستالية، واختفت المرأة الشبحية، وعاد الصمت الثقيل ليخيم على الصالون، صمت يكاد يقطعه أنين أحمد، أنين رجل فقد روحه في صالون «دانتيل»، في قصر ملعون، في كابوس بلا نهاية، بلا مخرج، بلا أمل.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *