الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
كان أحمد لا يزال على الهاتف
ومنة في الطرف الآخر تنتظر أن يعرفها ما الذي جعله يتحدث بذلك الصوت المختلف
قالت
أحمد
قال
نعم
قالت
احكيلي
أخذ أحمد نفسًا طويلًا
ثم قال
الموضوع يخص الشغل
قالت
خير
قال
في احتمال كبير إن ظروف الشغل تتغير الفترة الجاية
قالت
تتغير إزاي
قال
ممكن مواعيد الشغل تتغير
وممكن عدد الساعات يزيد فترة
وممكن كمان يكون في تغيير في الدخل
سكتت منة
لكنها لم تقاطعه
فأكمل
أنا مش عارف لسه القرار النهائي هيكون إيه
بس لو حصل
ممكن يأثر على الحاجات اللي كنا بنخطط لها
قالت
زي إيه
قال
زي تجهيزات الجواز
والحاجات اللي كنت حاطط لها حساب
وأنا بصراحة
مش عايز أخليكي تدخلّي معايا في حاجة وأنا مش عارف هقدر أعملها ولا لا
كانت منة تستمع إليه بكل هدوء
ثم قالت
خلصت
قال
آه
قالت
طب دلوقتي أتكلم أنا
ابتسم أحمد رغم قلقه
وقال
اتفضلي
قالت
أول حاجة
أنا مبسوطة إنك قلتلي
سكت أحمد
فقالت
لأنك لو كنت خبيت عليا
كنت هزعل
مش عشان الموضوع نفسه
عشان كنت هحس إنك لسه بتشيل كل حاجة لوحدك
قال أحمد
أنا فكرت ما أقولكيش لحد ما أعرف القرار النهائي
قالت
بس أنا مش محتاجة أعرف القرار النهائي
أنا محتاجة أعرف أنت بتفكر في إيه
قال
أنا خايف
قالت
عارفة
قال
خايف إن الظروف تتغير
وخايف إنك تتعبي معايا
وخايف إن حاجات كنت وعدتك بيها تتأخر
قالت
وأنا عندي حاجة واحدة أخاف منها
قال
إيه
قالت
إنك تفتكر إن قيمتك عندي مرتبطة بالحاجات اللي هتقدر تجيبها
سكت أحمد تمامًا
كانت تلك الجملة أقوى من أي رد كان يتوقعه
قالت
أحمد
قال
نعم
قالت
أنا مش داخلة حياتك عشان أعيش حياة الناس
أنا داخلة حياتك عشان أعيش حياتي معاك
قال
بس أنا عايز أوفرلك كل حاجة
قالت
وأنا عايزة منك تعمل اللي تقدر عليه
مش أكتر
قال
بس لو اتأخرنا
قالت
نتأخر
قال
ولو حاجة ما قدرتش تعملها
قالت
نستنى
قال
ولو الظروف ضغطت
قالت
نتصرف
قال
ولو احتجنا نغير خططنا
قالت
نغيرها
ثم قالت بهدوء
هو إحنا اتفقنا من الأول على إيه
قال أحمد
إننا نواجه كل حاجة سوا
قالت
يبقى ليه أول ما الدنيا خبطت في بابنا
بتفكر تواجهها لوحدك
ابتسم أحمد
لكن عينيه امتلأتا بالدموع
قال
أنا مش عايز أحسسك إنك اخترتي شخص مش قادر
قالت
وأنا مش عايزة أحس إن الشخص اللي اخترته مش واثق فيا
صمت أحمد
ثم قال
أنا واثق فيكي
قالت
يبقى صدقني لما أقولك إن اللي بينا أهم من أي ظرف
ثم أضافت
أنا مش هقولك إن الفلوس مش مهمة
طبعًا مهمة
والجواز مسؤولية
والبيت محتاج مصاريف
وأنا عارفة إنك لازم تكون مسؤول
لكن المسؤولية مش معناها إنك لازم تعمل المستحيل
المسؤولية إنك تعمل اللي تقدر عليه
وتكون صريح معايا
وأنا كمان أكون صريحة معاك
قال أحمد
أنا نفسي أبقى مطمنك
قالت
إنت مطمني من قبل ما نتكلم
قال
إزاي
قالت
عشان لما الدنيا ضاقت عليك
أول حد فكرت تكلمه كان أنا
نظر أحمد إلى الهاتف
وكأنه يرى منة أمامه
ثم قال
عارفة
قالت
نعم
قال
أنا أول مرة أحس إن في حد ممكن أقول له أنا خايف من غير ما أحس إني ضعيف
سكتت منة
ثم قالت
عشان أنت مش ضعيف
أنت إنسان
والإنسان بيخاف
وبيحزن
ويتعب
ويحتاج حد يسنده
وأنا عايزة أكون الشخص ده
قال أحمد
وأنا عايز أكون الشخص ده ليكي
قالت
يبقى خلاص
قال
خلاص إيه
قالت
نواجه اللي جاي
قال
حتى لو صعب
قالت
خصوصًا لو صعب
ضحك أحمد لأول مرة منذ بداية المكالمة
وقال
أنا كنت داخل المكالمة دي وأنا متوقع إنك تزعلي
قالت
وأنا كنت متوقعة إنك تكون أذكى من كده
قال
ليه
قالت
عشان أنت عارفني
قال
أنا بدأت أعرفك فعلًا
قالت
وأنا بدأت أعرفك
ثم سكتت قليلًا
وقالت
بس في حاجة
قال
قولي
قالت
ممنوع بعد كده تقعد لوحدك وتفكر في أسوأ الاحتمالات
قال
ليه
قالت
عشان لو الدنيا ضاقت عليك
أنا موجودة
قال
طيب ولو أنا قلقان
قالت
تكلمني
قال
ولو مش عارف أتكلم
قالت
تسكت وأنا أفضل معاك
قال
ولو إنتي اللي خايفة
قالت
أكلمك
قال
ولو مش قادرة تتكلمي
قالت
تفضل معايا
قال
ولو إحنا الاتنين خايفين
قالت
نخاف سوا
ضحك أحمد وقال
إحنا كده هنقعد نخاف سوا
قالت
المهم ما نخافش من بعض
توقف أحمد عند تلك الجملة
كانت تعرف كيف تختار كلماتها
ثم قال
منة
قالت
نعم
قال
أنا نفسي أقولك حاجة
قالت
قول
قال
أنا مش عايز أعدك إن حياتنا هتكون سهلة
لأن ده وعد أنا مقدرش أضمنه
بس أقدر أوعدك بحاجة واحدة
قالت
إيه
قال
عمري ما أخليكي تحسي إنك لوحدك وإنتي معايا
سكتت منة
ثم قالت
وأنا أوعدك بحاجة
قال
إيه
قالت
عمري ما أخليك تحس إنك لازم تكون قوي طول الوقت عشاني
قال
يعني
قالت
يعني لو تعبت
تعب
لو خفت
خاف
لو وقعت
هكون جنبك
بس قوم تاني
ابتسم أحمد
وقال
وأنا لو وقعتي
هقومك
قالت
ولو مقدرتش
قال
أشيلك
قالت
ولو تعبت
قال
أرتاحك
قالت
ولو خفت
قال
أطمنك
قالت
ولو الدنيا وقفت
قال
نقف سوا
قالت
ولو الدنيا فتحت لنا أبوابها
قال
ندخلها سوا
ثم سكت الاثنان
ولم يكن هناك ما يحتاج إلى أن يقال
لأن الكلام هذه المرة كان قد تجاوز الرومانسية العادية
لم يعد الأمر
أنا بحبك
وأنا كمان
بل أصبح
أنا معاك
وأنا معاك
وفي تلك اللحظة
رن هاتف أحمد برسالة جديدة
فتحها
وكانت من جهة العمل
قرأها مرة
ثم مرة أخرى
تغيرت ملامحه
منة لاحظت صمته
قالت
إيه
قال
القرار وصل
قالت
إيه القرار
ظل أحمد صامتًا للحظات
ثم قال
الموضوع أكبر مما كنت متوقع
قالت
يعني إيه
قال
ممكن أضطر أغير نظام حياتي بالكامل الفترة الجاية
قالت
وأنت شايف إيه
قال
لسه مش عارف
قالت
طيب
قال
ممكن أضطر أشتغل أكتر
قالت
هنشوف
قال
وممكن الموضوع يأثر على ميعاد حاجات كنا محددينها
قالت
هنعيد ترتيبها
قال
وممكن يكون في قرار لازم آخده بسرعة
قالت
خده
قال
من غير ما أفكر
قالت
لا
فكر
بس فكر وإنت عارف إنك مش لوحدك
أحمد ظل ينظر إلى الرسالة
ثم قال
أنا محتاج وقت
قالت
خده
قال
ومحتاج أفكر كويس
قالت
فكر
قال
ومحتاجك جنبي
قالت
أنا جنبك
قال
حتى لو القرار كان صعب
قالت
حتى لو كان أصعب قرار
ثم قالت
بس افتكر حاجة
قال
إيه
قالت
إحنا مش بنبني جواز على ورق
إحنا بنبني حياة
والحياة مش دايمًا بتمشي زي ما إحنا مخططين
لكن لو إحنا ثابتين
هنعرف نكمل
أغلق أحمد عينيه للحظات
ثم قال
أنا بحبك يا منة
قالت
وأنا بحبك يا أحمد
قال
بس النهارده أنا حبيتك أكتر
قالت
ليه
قال
عشان أول مرة أحس إن كلمة معايا مش مجرد كلمة
قالت
وأنا أول مرة أحس إن اختياري ليك كان أكبر من مجرد اختيار شخص أحبه
قال
أمال كان إيه
قالت
اختيار الشخص اللي أقدر أواجه معاه الحياة
ظل أحمد صامتًا
ثم قال
أنا مش عارف أقولك إيه
قالت
متقولش
قال
ليه
قالت
كفاية إنك فهمت
وفي نهاية المكالمة
لم يكن أحمد قد حصل على حل لكل شيء
ولم تكن منة قد استطاعت أن تغير ظروف العمل
ولم تختفِ المشاكل
لكن شيئًا أهم حدث
الخوف الذي كان داخل أحمد لم يعد خوف رجل يقف وحده أمام المستقبل
أصبح خوف رجل يعرف أن هناك قلبًا آخر يقف بجواره
وفي صباح اليوم التالي
استيقظ أحمد مبكرًا على غير عادته
لم يكن قد حل المشكلة
لكنه بدأ يضع خطوات
حسب دخله
راجع التزاماته
أعاد ترتيب أولوياته
وكتب كل شيء أمامه
ثم وضع ورقة صغيرة بجوارها
كتب عليها
أنا ومنة
ولم يكتب أرقامًا
ولا مواعيد
ولا حسابات
فقط كتب
مع بعض
لأنه أدرك أن بعض المعارك لا تحتاج إلى شخص أقوى
تحتاج إلى شخص لا يهرب
ومنة في الوقت نفسه
كانت قد بدأت تفكر بالطريقة نفسها
لم تكن تنتظر منه أن يصنع المستحيل
كانت تفكر كيف تستطيع هي أيضًا أن تكون جزءًا من الحل
ولأول مرة
بدأ الاثنان ينظران إلى الزواج ليس كحفل جميل
ولا كفستان
ولا كصور
ولا كبيت جديد
بل كمسؤولية
وشراكة
واثنين سيقومان ببناء حياة من الصفر
وفي المساء
اتصل أحمد بها
قال
أنا قررت
قالت
قررت إيه
قال
مش ههرب من الموضوع
قالت
وأنا عارفة
قال
وهحاول
قالت
وأنا معاك
قال
ولو ما قدرتش
قالت
نغير الخطة
قال
ولو اتأخرنا
قالت
نستنى
قال
ولو الدنيا صعبت
قالت
نواجهها
ثم قال أحمد
بس عندي سؤال
قالت
إيه
قال
إنتي لسه عايزاني
ضحكت منة
وقالت
بعد كل ده
لسه بتسأل
قال
عايز أسمعها
قالت
آه يا أحمد
عايزاك
ثم قالت
ومش عشان الدنيا سهلة
عشان أنا اخترتك وإحنا عارفين إن الدنيا مش دايمًا هتكون سهلة
ابتسم أحمد
وكانت تلك الإجابة بالنسبة له أقوى من أي وعد
لأن الحب الحقيقي لم يكن قد ظهر في الأيام التي امتلأت بالضحك فقط
بل ظهر الآن
عندما دخل القلق من الباب
فلم يجد اثنين يهربان
بل وجد قلبين يمسكان بأيدي بعضهما
ويقولان
تعالى
نشوف هنعمل فيك إيه
ومن تلك اللحظة
بدأت قصة جديدة داخل قصة أحمد ومنة
قصة لم تعد عن اثنين يحبان بعضهما فقط
بل عن اثنين يتعلمان كيف يبنيان حياة
كلما حاولت الظروف أن تهدم منها شيئًا
عادا وبنيا من جديد
وكان كلاهما لا يعرف
أن القرار الذي وصل إلى هاتف أحمد
لم يكن مجرد تغيير في العمل
بل كان بداية سلسلة من الأحداث
ستضع أمامهما أكبر اختبار مر عليهما منذ بداية الخطوبة
اختبارًا سيجعل الحب وحده غير كافٍ
وسيحتاج كل واحد منهما أن يثبت للآخر
أن الوعد الذي بدأ بينهما
لم يكن مجرد كلام جميل
بل كان وعد قلب بالفعل
انتظر الجزء القادم
![]()
