الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
لم يكن الحديث عن موعد الزواج هذه المرة مجرد كلام عابر بين أحمد ومنة
فبعد أن أصبحت الشقة أقرب إلى صورتها النهائية
وبعد أن بدأت التفاصيل الصغيرة تتجمع واحدة وراء الأخرى
أصبح من الطبيعي أن تجلس العائلتان وتبدأا في التفكير بجدية في الخطوة القادمة
وكان أحمد يعرف أن هذه اللحظة ستأتي
لكنه رغم ذلك شعر بشيء من التوتر عندما أخبرته والدته أن هناك حديثًا سيجمعها بوالدة منة
لم يكن توتره من الزواج نفسه
فهو كان يتمنى ذلك اليوم منذ أن دخلت منة حياته
لكن المسؤولية عندما تتحول من حلم إلى موعد تبدأ في اتخاذ شكل مختلف
فالحلم جميل
أما الموعد فيحتاج إلى حسابات
وكان أحمد يعلم أن عليه أن يكون واقعيًا
فالشقة ما زال بها بعض التفاصيل
والمال يحتاج إلى ترتيب
والتجهيزات تحتاج إلى وقت
والزواج ليس مجرد ليلة جميلة
بل حياة تبدأ في صباح اليوم التالي
وفي مساء ذلك اليوم
اتصل أحمد بمنّة
قال
منة
قالت
نعم
قال
ماما قالت لي إنها هتتكلم مع والدتك في موضوع الموعد
سكتت منة للحظات
ثم قالت
بجد
قال
آه
قالت
إنت متوتر
ضحك أحمد وقال
واضح أوي
قالت
آه
قال
مش عارف ليه
قالت
عشان الموضوع بقى حقيقي
قال
بالضبط
قالت
أنا كمان
قال
خايفة
قالت
مش خايفة
بس حاسة إن كل حاجة قربت
قال
وأنا حاسس
قالت
طب إنت نفسك إمتى
قال
نفسي أول ما نكون جاهزين
قالت
وأنا كمان
قال
بس مش عايز نستعجل
قالت
ولا أنا
قال
عايز يومها أبقى داخل وأنا مطمن
قالت
ومش عايزة يومها تكون شايل هم حاجة
قال
يبقى نفكر بعقلنا
قالت
وبقلبنا
قال
الاتنين
قالت
الاتنين
ثم سكتا قليلًا
قبل أن تقول منة
أحمد
قال
نعم
قالت
إنت متخيل يوم الجواز
قال
من زمان
قالت
احكي
قال
مش عارف
قالت
ليه
قال
كل ما أتخيله بيختلف
قالت
طب آخر تخيل
قال
إني واقف مستنيكي
قالت
وبعدين
قال
أشوفك
قالت
وبعدين
قال
مش هعرف أقول حاجة
ضحكت منة
وقالت
ليه
قال
عشان يمكن أفضل باصصلك
قالت
طب وأنا
قال
إنتي هتعملي إيه
قالت
هضحك
قال
وبعدين
قالت
يمكن أعيط
قال
ليه
قالت
عشان هفتكر كل حاجة
قال
وأنا كمان
قالت
أول مرة شفتني
قال
فاكر
قالت
وأول مكالمة
قال
فاكر
قالت
وأول مرة خرجنا
قال
فاكر
قالت
والملاهي
قال
مستحيل أنساها
قالت
والمصاصات
ضحك أحمد
وقال
إنتي لسه فاكرة
قالت
طبعًا
قال
أنا كنت فاكر إنك نسيتي
قالت
الحاجات اللي بتفرحني مش بنساها
سكت أحمد
ثم قال
وأنا مش بنسى الحاجات اللي فرحتك
وبعد أيام قليلة
تم بالفعل الحديث بين والدته ووالدة منة
وكان الكلام هادئًا
لا توجد فيه استعجالات
ولا ضغوط
فكل واحدة منهما كانت تريد أن تبدأ حياة أولادها بشكل مريح
وكان الاتفاق أن يكون الموعد مرتبطًا بانتهاء التجهيزات الأساسية
وأن يتم اختيار الوقت الذي يستطيع فيه أحمد أن يبدأ حياته دون أن يحمل نفسه فوق طاقته
وعندما عرف أحمد التفاصيل
شعر براحة كبيرة
لأنه لم يجد من يضغط عليه
بل وجد من يساعده
وفي المساء
أخبر منة
قال
اتكلموا
قالت
وعملوا إيه
قال
الحمد لله
كل حاجة ماشية كويس
قالت
يعني
قال
يعني هنبدأ نحدد بشكل أكبر
سكتت منة
ثم قالت
أنا مش عارفة أفرح ولا أخاف
ضحك أحمد
وقال
افرحي الأول
وبعدين خافي
قالت
مش هعرف
قال
ليه
قالت
عشان كل ما أفرح أفتكر إن الموضوع بقى قريب
قال
وده يخوفك
قالت
مش من الجواز
قال
أمال
قالت
من المسؤولية
قال
وأنا كمان
قالت
أنا خايفة أبقى زوجة مش كويسة
قال
وأنا خايف أبقى زوج مش كويس
قالت
طب نعمل إيه
قال
نتعلم
قالت
إزاي
قال
نفضل نتكلم
قالت
ونسمع بعض
قال
ونعتذر لما نغلط
قالت
وما نسيبش الزعل يكبر
قال
وما ندخلش حد بينا في كل مشكلة
قالت
ونرجع لربنا قبل أي حد
قال
بالضبط
ثم قال أحمد
أنا مش عايز أكون زوج مثالي
قالت
وأنا مش عايزة أكون زوجة مثالية
قال
عايزين نكون حقيقيين
قالت
ونكون رحيمين ببعض
قال
وده أهم شيء
وفي اليوم التالي
كانت منة تتحدث مع والدتها
فقالت لها
ماما
قالت
نعم
قالت
أنا خايفة
قالت
من إيه
قالت
من المسؤولية
قالت والدتها
كل بنت بتخاف
قالت منة
طب وإنتي لما اتجوزتي كنتي خايفة
قالت
طبعًا
قالت
وإزاي عديتي
قالت
بإن الإنسان ما يدخلش الزواج وهو فاكر إنه عارف كل حاجة
قالت
أمال يدخل بإيه
قالت
بنية إنه يتعلم
وبنية إنه يحافظ
وبنية إنه يرحم
قالت منة
يعني الحب لوحده مش كفاية
قالت
الحب بداية جميلة
لكن اللي بيحافظ عليه هو الاحترام والصبر والعشرة الطيبة
سكتت منة
وقالت
أنا عايزة أكون كده
قالت
وأنتي هتتعلمي
ثم قالت لها والدتها
وأهم حاجة
ما تخليش الخوف يخليكي تنسي إن ربنا هو اللي جمعكم
قالت منة
عندك حق
قالت
طالما اخترتوا الحلال من البداية
فخليكم دايمًا فاكرين إنكم محتاجين ربنا في كل خطوة
قالت منة
إن شاء الله
وفي الجهة الأخرى
كان أحمد يجلس مع والدته
وكانت تتحدث معه عن الزواج
قالت له
يا ابني
قال
نعم
قالت
الجواز مش مجرد إنك تحب واحدة
قال
عارف
قالت
أهم حاجة تعرف تحتويها
قال
بحاول
قالت
وتعرف إنها مش دايمًا هتبقى في أحسن حالاتها
قال
عارف
قالت
وأنت كمان مش دايمًا هتبقى في أحسن حالاتك
قال
صحيح
قالت
فلو هي تعبت استحمل
ولو أنت تعبت هي تستحملك
قال
إن شاء الله
قالت
ومتخليش الفلوس هي اللي تحدد سعادتكم
قال
أنا أصلًا بفكر في ده
قالت
اعمل اللي تقدر عليه
ومتقارنش نفسك بحد
قال أحمد
أنا نفسي أبدأ حياتي من غير ما أكون أقل من أي حد
قالت
إنت مش محتاج تبقى زي حد
قال
يعني
قالت
أبوك لو كان موجود كان هيقولك نفس الكلام
سكت أحمد
ثم قال بصوت منخفض
كان نفسي يكون هنا
قالت والدته
ربنا يرحمه
قال
كان نفسي يسمعني وهو بيتكلم عن الجواز
قالت
يمكن مش موجود قدام عينك
بس كل حاجة اتعلمتها منه موجودة جواك
قال
نفسي أكون راجل يشرفه
قالت
إنت هتكون
قال
إن شاء الله
وفي تلك الليلة
جلس أحمد وحده
وأخذ ورقة
وبدأ يكتب الأشياء التي ما زالت تحتاج إلى ترتيب
الشقة
التجهيزات
المصاريف
الموعد
الأشياء الضرورية
الأشياء التي يمكن تأجيلها
ثم توقف
وكتب في آخر الورقة
منة
وتحت اسمها كتب
الراحة
الأمان
الرحمة
الصدق
ثم ابتسم
وقال لنفسه
دي أهم حاجة
لم تكن تلك الكلمات مجرد قائمة
بل كانت بالنسبة له معنى الزواج كله
وفي نفس الوقت
كانت منة تجلس في غرفتها
وتفكر في أحمد
وتتذكر أول مرة رأته فيها
وكيف كان مترددًا
وكيف كانت هي أيضًا تحاول أن تفهم شعورها
ثم تذكرت كل الأيام التي مرت
وكل موقف
وكل مرة اختلفا فيها ثم عادا للحديث
وكل مرة شعرت فيها أنه يسمعها فعلًا
ثم قالت في نفسها
يمكن أنا مش عارفة الحياة هتكون عاملة إزاي
بس أنا عارفة أنا عايزة أعيشها مع مين
وكانت تلك الحقيقة وحدها كافية لتجعل قلبها يهدأ
وفي الأيام التالية
بدأت العائلتان بالفعل في التفكير في تفاصيل أكثر
ليس فقط موعد الزواج
بل كيف سيكون الاحتفال
وما الذي يحتاجه كل طرف
وكيف يتم الأمر بهدوء ومن غير تكلف
وكان أحمد ومنة يتابعان كل شيء معًا
لكن وسط كل هذه التحضيرات
كانت هناك لحظة واحدة بدأت تقترب
لحظة سيجلس فيها أحمد أمام منة
ويتحدث معها عن شيء لم يتحدثا عنه من قبل بهذا العمق
عن شكل حياتهما بعد الزواج
ليس البيت
ولا الأثاث
ولا يوم الزفاف
بل عن الأحلام
عن الأطفال
عن العمل
عن المسؤوليات
عن الأشياء التي يخاف كل واحد منهما أن يفقدها بعد الزواج
وعن الأشياء التي يتمنى أن يجدها فيه
وكانت هذه الجلسة القادمة
ستكون مختلفة عن كل ما سبق
لأنهما سيكتشفان أن الحب لا يعني فقط أن يقول أحدهما للآخر
أنا أحبك
بل أن يقول
أنا أريد أن أعرف كيف أعيش معك
وكيف أجعلك تعيش معي وأنت مطمئن.
انتظر الجزء القادم
![]()
