الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
كان الظلام قد ابتلع الممر بالكامل
لم يعد أحد يرى الآخر
لكن الأصوات كانت واضحة
كل واحد منهم كان يسمع صوتًا مختلفًا يناديه باسمه
صوت أحمد كان يأتي من جهة اليمين
وصوت محمد من خلفه
وصوت عبد الرحمن من أمامه
أما الدكتور مصطفى
فكان يسمع صوت فارس قريبًا جدًا منه
لكن الصوت الخامس
ذلك الصوت الذي لم ينادِ أحدًا
كان يضحك
ضحكة منخفضة
ثم أعلى
ثم بدأت تقترب
قال أحمد
“إنتوا سامعيني”
رد محمد
“أيوه”
قال عبد الرحمن
“أنا سامع صوت بيناديني”
قال الدكتور
“ما تردوش”
توقفوا جميعًا
ثم جاء صوت عبد الرحمن من الظلام
“تعال”
لكن عبد الرحمن كان واقفًا بجوارهم
نظر أحمد إليه
وقال
“الصوت مش منه”
قال الدكتور
“المكان بيقلد أصواتنا”
ثم جاءت ضحكة خامسة
أقرب من قبل
قال محمد
“إحنا لازم نتحرك”
بدأ الأربعة يمشون ببطء
وكل واحد منهم يحاول ألا ينفصل عن الباقين
لكن بعد عدة خطوات
سمعوا صوت ارتطام قوي
التفتوا
لم يكن أحمد معهم
قال عبد الرحمن
“أحمد”
لم يرد
صرخ محمد
“أحمد”
جاء صوته من بعيد
“أنا هنا”
قال الدكتور
“محدش يتحرك”
لكن صوت أحمد جاء مرة أخرى
“تعالوا”
ثم جاء صوت آخر بنفس نبرة أحمد
“ما تجوش”
تجمد الجميع
قال محمد
“في صوتين”
أجاب الدكتور
“واحد منهم أحمد”
ثم أضاف
“والتاني مش إنسان”
—
أخرج الدكتور مصباحه
اشتغل هذه المرة
ظهر الممر أمامهم
لكن لم يكن هناك أحمد
فقط آثار أقدام
واحدة منها كانت آثار حذاء أحمد
والأخرى كانت آثار قدمين حافيتين
قال عبد الرحمن
“دي مش موجودة من شوية”
قال محمد
“الآثار جاية من الناحيتين”
نظر الدكتور إلى الأرض
ثم قال
“أحمد كان واقف هنا”
ثم أشار إلى الآثار الحافية
“والتانية كانت واقفة وراه”
سأل عبد الرحمن
“يعني إيه”
أجاب
“يعني الحاجة اللي بتضحك كانت قريبة منه”
وفجأة
ظهر أحمد في نهاية الممر
كان واقفًا وحده
وجهه شاحب
قال
“لقيت باب”
اقترب منه محمد
“إنت كويس”
أجاب
“أيوه”
قال الدكتور
“إنت كنت فين”
أشار أحمد خلفه
“هناك”
قال عبد الرحمن
“فين هناك”
رد أحمد
“مش عارف”
ثم نظر إلى يده
كان يمسك قطعة صغيرة من الحجر
قال محمد
“إيه دي”
أجاب
“لقيتها جنب الباب”
أخذها الدكتور
وبمجرد أن لمسها
تغير وجهه
قال محمد
“إيه”
رد
“دي من العرش”
سأله أحمد
“إزاي”
قال الدكتور
“لأن الحجر ده عليه نفس العلامة اللي كانت على الختم”
نظر الجميع إلى القطعة
كانت العين محفورة عليها
لكن العين هذه المرة كانت مفتوحة
قال عبد الرحمن
“العين كانت مقفولة”
أجاب الدكتور
“أيوه”
ثم قال
“وده معناه إن حد فتحها”
—
بدأت الأرض تهتز
سقطت بعض الأحجار من السقف
قال محمد
“لازم نخرج من هنا”
لكن الدكتور لم يتحرك
كان ينظر إلى القطعة
ثم قال
“دي مش القطعة اللي أحمد لقاها”
نظر أحمد إليه
“أمال إيه”
قال
“دي القطعة اللي كانت ناقصة من الختم”
ساد الصمت
قال عبد الرحمن
“يعني إحنا كنا بندور عليها”
أجاب
“أيوه”
قال محمد
“لكن ليه ظهرت دلوقتي”
لم يرد الدكتور
لأن الكتابة بدأت تظهر على الجدار
اقترب محمد
وقرأ
“حين تعود العين إلى موضعها”
ثم ظهر السطر الثاني
“يفتح الطريق الأول”
ثم السطر الثالث
“ويعود من كان نائمًا”
رفع محمد رأسه
وقال
“الملك”
أجاب الدكتور
“أيوه”
ثم سمعوا صوتًا من أعماق الممر
“مصطفى”
هذه المرة لم يكن صوت فارس
كان صوت رجل عميق
قال
“أعد ما أخذتم”
قال الدكتور
“إحنا ما أخدناش حاجة”
جاء الرد
“أخذتم الختم”
نظر الدكتور إلى القطعة
ثم فهم
قال
“القطعة دي مش هتخرج من هنا”
أجاب الصوت
“بل أحدكم سيحملها”
قال أحمد
“مين”
سكت الصوت
ثم ظهرت أربعة رموز على الجدار
رمز أمام كل واحد منهم
لكن الرمز الموجود أمام عبد الرحمن كان مختلفًا
كان تاجًا فوق عين
قال محمد
“الرمز ده ظهر قبل كده”
رد الدكتور
“أيوه”
قال عبد الرحمن
“يعني إيه”
أجاب الدكتور
“إنك مرتبط بالختم”
—
تراجع عبد الرحمن
قال
“أنا مش فاهم حاجة”
رد الدكتور
“ولا أنا”
ثم نظر إلى أحمد
“إنت قلت إنك لقيت الحجر”
هز أحمد رأسه
“أيوه”
قال محمد
“بس مين حط الحجر في إيدك”
تغير وجه أحمد
ظل صامتًا
قال عبد الرحمن
“أحمد”
قال
“مش فاكر”
قال الدكتور
“حاول تفتكر”
أغمض أحمد عينيه
ثم قال
“كان فيه شخص”
“مين”
“ما شفتش وشه”
“قال لك إيه”
صمت
ثم فتح عينيه
وقال
“قال لي خده”
سأله محمد
“وبعدين”
أجاب
“قال إن الدكتور هيعرف”
نظر الجميع إلى الدكتور
قال أحمد
“إنت عارف”
ظل مصطفى صامتًا
ثم قال
“أيوه”
قال عبد الرحمن
“عارف إيه”
أجاب
“إن الختم لازم يكون مع واحد مننا”
سأله محمد
“ليه”
قال
“لأن اللي يحمله يقدر يسمع الملك”
ثم نظر إلى عبد الرحمن
“لكن اللي يقدر يسمعه مش بالضرورة يقدر يتحكم فيه”
—
فجأة
بدأ الحجر في يد الدكتور يهتز
ثم ارتفع من تلقاء نفسه
طار من يده
واتجه إلى عبد الرحمن
أمسكه عبد الرحمن دون أن يقصد
وفي اللحظة التي لمس فيها الحجر يده
اختفت العلامة الموجودة على الجدار
ثم ظهرت على يده
عين مفتوحة
صرخ عبد الرحمن
“آه”
سقط على ركبته
اقترب منه محمد
لكن الدكتور أوقفه
“ما تلمسوش”
قال محمد
“ليه”
أجاب
“الختم بيختار”
قال أحمد
“بيختار إيه”
رد الدكتور
“حامله”
ثم بدأ عبد الرحمن يسمع صوتًا داخل رأسه
لم يسمعه الآخرون
صوت الملك
“عرفت طريقك”
قال عبد الرحمن
“مين إنت”
جاء الصوت
“أنا الذي سبقك إلى العرش”
“إنت الملك”
“الملك اسم”
“أمال إنت مين”
ساد الصمت
ثم جاء الرد
“اسأل مصطفى”
فتح عبد الرحمن عينيه
نظر إلى الدكتور
وقال
“هو بيقول لي أسألك”
تجمد مصطفى
قال
“ما تسألوش”
قال عبد الرحمن
“لا”
ثم وقف
“أنا عايز أعرف”
قال الدكتور
“مش دلوقتي”
“ليه”
“لأن الإجابة ممكن تغير كل حاجة”
قال محمد
“إحنا أصلًا دخلنا في كل حاجة”
—
اقترب عبد الرحمن من الدكتور
وقال
“إنت كنت تعرف إن المكان ده موجود قبل البعثة القديمة”
قال مصطفى
“أيوه”
“وكنت تعرف إن فيه ملك”
صمت
“أيوه”
“وكنت تعرف إن البعثة كانت بتدور عليه”
“أيوه”
“طب إيه اللي ما قلتوش لنا”
نظر الدكتور إلى الثلاثة
ثم قال
“إن البعثة القديمة ما كانتش أول بعثة”
سأل محمد
“أمال كان فيه مين”
أجاب
“بعثة قبلهم”
قال أحمد
“اختفت هي كمان”
هز الدكتور رأسه
“أيوه”
قال عبد الرحمن
“وإنت كنت تعرف”
“عرفت بعد ما اختفوا”
“مين كان رئيسها”
نظر مصطفى إلى الختم في يد عبد الرحمن
ثم قال
“والدي”
تجمد الجميع
قال محمد
“والدك”
أجاب
“أيوه”
ثم أضاف
“والسبب اللي خلاني أبدأ أبحث في الآثار”
سأل أحمد
“إنك كنت بتدور عليه”
قال الدكتور
“كنت بدور على الحقيقة”
ثم نظر إلى عبد الرحمن
“لكن ما كنتش أعرف إن الحقيقة هتكون مرتبطة بيك”
—
بدأت الضحكة من جديد
لكن هذه المرة
كانت قريبة جدًا
التفت الأربعة
فوجدوا على الجدار أربع ظلال
لكن كان هناك ظل خامس
يقف خلف عبد الرحمن
قال محمد
“عبد الرحمن”
التفت
لم يكن هناك أحد
لكن الظل كان ما زال موجودًا
ثم تحرك الظل وحده
اقترب من ظل عبد الرحمن
ووضع يده على كتفه
صرخ أحمد
“ابعد”
لكن الظل لم يتحرك
ثم ظهر على الجدار سطر جديد
“الخامس ليس واحدًا منكم”
ثم ظهر سطر آخر
“الخامس يسكن في واحد منكم”
قال محمد
“يعني إيه”
لم يرد الدكتور
كان ينظر إلى عبد الرحمن
ثم إلى الختم
وفجأة
انفتح الحجر في يد عبد الرحمن
ظهر بداخله جزء صغير من بردية
أخرجها
كانت مكتوبة بالخط المصري القديم
بدأ محمد يقرأها
ثم تغير وجهه
قال أحمد
“إيه المكتوب”
رد محمد بصوت متردد
“حين يحمل المختار الختم”
“يستيقظ الحارس”
ثم قرأ السطر الأخير
وتوقف
قال عبد الرحمن
“كمل”
رفع محمد عينيه
وقال
“والحارس ليس خارجكم”
ساد الصمت
ثم جاء الصوت من داخل عبد الرحمن نفسه
ولأول مرة
لم يأتِ الصوت من العرش
ولا من الجدران
بل خرج من فمه
بصوت مختلف تمامًا
وقال
“أخيرًا وجدتك يا مصطفى”
تراجع الدكتور خطوة
لأن الصوت الذي خرج من عبد الرحمن
كان صوت والده.
انتظروا الجزء القادم
![]()
