الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
“أخيرًا وجدتك يا مصطفى”
خرج الصوت من فم عبد الرحمن
لكن لم يكن صوته
كان صوت رجل أكبر سنًا
هادئًا
ثقيلًا
صوتًا يعرفه الدكتور مصطفى جيدًا
تراجع خطوة إلى الخلف
وقال
“أبي”
رفع عبد الرحمن عينيه
لكن ملامحه كانت طبيعية
كان هو نفسه
ومع ذلك كان الصوت لا يزال يخرج منه
قال الصوت
“لم أتوقع أن تعود”
اقترب محمد من عبد الرحمن
ثم توقف
كان يشعر أن هناك شيئًا غير طبيعي
قال
“دكتور
ده صوت والدك فعلًا”
لم يجب مصطفى
كان ينظر إلى عبد الرحمن وكأنه يرى شخصًا آخر
قال أحمد
“مين والدك”
رد الدكتور بصوت منخفض
“الرجل اللي اختفى قبل ما تبدأ البعثة القديمة”
سأل عبد الرحمن
“اختفى فين”
نظر إليه مصطفى
“هنا”
ساد الصمت
قال محمد
“يعني والدك كان هنا”
أجاب
“أيوه”
ثم أضاف
“وكان هو أول واحد اكتشف الطريق”
فجأة ضحك الصوت الخارج من عبد الرحمن
وقال
“مش أول واحد”
ثم توقف
“أول واحد نجا”
تجمد الدكتور
قال
“إنت بتقول إيه”
أجاب الصوت
“أنا ما اختفيتش”
ثم نظر عبد الرحمن بعينيه إلى مصطفى
“أنا بقيت هنا”
—
بدأ الختم الموجود في يد عبد الرحمن يزداد حرارة
صرخ من الألم
حاول إسقاطه
لكن أصابعه لم تستطع أن تفتحه
قال أحمد
“سيبه”
رد الدكتور
“ما تقدرش”
اقترب محمد
“لازم نفصله عن إيده”
قال مصطفى
“لو فصلناه بالقوة ممكن نكسر الختم”
قال عبد الرحمن
“وأنا مالي”
رد الصوت
“أنت المختار”
قال عبد الرحمن
“أنا مش مختار لأي حاجة”
جاء الرد
“أنت لم تُختر اليوم”
ثم سكت
“أنت اخترت منذ زمن”
نظر عبد الرحمن إلى الدكتور
“إنت قلت إني كنت هنا وأنا صغير”
أجاب مصطفى
“أيوه”
قال عبد الرحمن
“إنت كنت عارف”
“كنت أعرف إن والدك أخدك إلى المكان”
تغير وجه عبد الرحمن
“والدي”
“أيوه”
“إيه علاقة والدي بالمكان”
لم يرد الدكتور
فقال الصوت
“هو الذي طلب مني أن أحميك”
نظر مصطفى إلى عبد الرحمن
ثم قال
“والدك لم يكن يعرف الحقيقة كلها”
قال الصوت
“لكنه عرف أكثر منك”
—
بدأت الجدران تهتز
ظهرت عليها صور قديمة
رجل يحمل طفلًا صغيرًا
كان الطفل عبد الرحمن
والرجل والده
وكان يقف أمام باب حجري
خلفهما الدكتور مصطفى
لكن مصطفى في الصورة كان أصغر سنًا
قال أحمد
“إنت كنت موجود”
أجاب الدكتور
“أيوه”
سأله محمد
“ليه ما قلتلناش”
قال
“لأني ما كنتش فاكر التفاصيل”
قال عبد الرحمن
“أمال إزاي الصورة موجودة”
رد الصوت
“لأن المكان لا ينسى”
ثم ظهرت صورة أخرى
والد عبد الرحمن يضع يده على الجدار
ويقول شيئًا
اقترب محمد من النقش
بدأ يترجم
ثم قال
“بيقول إنه جاي يرجع حاجة”
قال الدكتور
“إيه”
أجاب محمد
“الختم”
نظر مصطفى إلى عبد الرحمن
وقال
“يبقى هو كان حامل الختم”
لكن الصوت رد
“لا”
ثم قال
“هو كان حارسه”
تجمد الجميع
قال أحمد
“يعني إيه حارس”
قال الصوت
“الحارس لا يحمل الختم”
“الحارس يحميه”
—
فجأة
سقطت إحدى الحجارة من السقف
ثم أخرى
ثم بدأ الممر يهتز
قال الدكتور
“لازم نتحرك”
سأله محمد
“نروح فين”
أشار الصوت إلى الممر
“إلى القاعة الثانية”
قال أحمد
“إحنا مش هنمشي ورا الصوت”
رد الدكتور
“لازم”
نظر إليه محمد
“إنت مصدقه”
أجاب
“أنا أعرف الصوت”
ثم قال
“وأعرف إن والدي لم يكن يكلمني بهذه الطريقة”
سكت قليلًا
“لكن ده صوته”
قال عبد الرحمن
“يعني إيه”
أجاب مصطفى
“يعني حد بيستخدم صوته”
ساد الصمت
ثم قال الصوت
“أخيرًا فهمت”
—
تحرك الأربعة داخل الممر
وكان عبد الرحمن في المنتصف
الختم ما زال في يده
كلما تقدموا
كانت العلامة الموجودة على الجدران تظهر ثم تختفي
حتى وصلوا إلى باب حجري عليه خمسة تجاويف
قال محمد
“خمسة”
نظر الدكتور إلى الختم
ثم قال
“واحد منهم للختم”
سأل أحمد
“والأربعة الباقيين”
قال محمد
“لنا”
اقترب كل واحد منهم من تجويف
ووضع يده
لم يحدث شيء
ثم قال الصوت
“قولوا أسماءكم”
قال أحمد
“أحمد محمد”
اشتعل أول رمز
قال محمد
“محمد عبد المحسن”
اشتعل الثاني
قال عبد الرحمن
“عبد الرحمن شعبان”
اشتعل الثالث
نظروا إلى الدكتور
قال
“مصطفى الصعيدي”
اشتعل الرابع
بقي التجويف الخامس
قال أحمد
“مين الخامس”
رد الصوت
“أنا”
ثم ظهر اسم على الحجر
اسم مصري قديم
قرأه محمد
ثم توقف
قال الدكتور
“اقرأ”
قال محمد
“مش قادر”
قال أحمد
“ليه”
أجاب
“لأن الاسم مكتوب بطريقة مش كاملة”
اقترب عبد الرحمن
وفجأة خرج من فمه الصوت نفسه
وقال الاسم
“حور محب”
تجمد الجميع
قال الدكتور
“مستحيل”
قال محمد
“ده اسم ملك معروف”
رد الدكتور
“أيوه”
ثم أضاف
“لكن مش هو المقصود”
ظهر تحت الاسم نقش آخر
بدأ محمد يترجمه
قال
“الاسم هنا مش لشخص”
سأله أحمد
“أمال إيه”
قال
“لقب”
نظر الدكتور إلى الباب
وقال
“لقب الحارس”
—
فجأة
فتح الباب
لكن خلفه لم تكن هناك قاعة
كانت هناك غرفة صغيرة
وفي منتصفها تابوت حجري
قال أحمد
“تابوت”
اقترب الدكتور
كان التابوت بلا غطاء
وفي داخله بردية ملفوفة
قال محمد
“دي جديدة”
أجاب الدكتور
“ممكن تكون قديمة”
اقترب عبد الرحمن
لكن الصوت منعه
“ما تلمسهاش”
توقف
قال عبد الرحمن
“ليه”
أجاب
“لأنها لك”
سأله
“إيه اللي فيها”
قال
“اسمك”
اقترب محمد
وفك البردية بحذر
بدأت الرموز تظهر
ثم قرأ
“ولد يحمل الذاكرة”
“جاء مع الحارس”
“وعاد بعد غياب طويل”
ثم سطر آخر
“حين يبلغ المختار سن المعرفة”
“يعود الباب إلى الفتح”
نظر عبد الرحمن إلى الدكتور
قال
“إيه معنى الكلام ده”
رد مصطفى
“إن ظهورك هنا مش صدفة”
ثم سكت
“واللي حصل من عشرين سنة كان جزء من خطة”
—
وفجأة
سمعوا صوتًا من خلفهم
صوت خطوات
التفتوا
كان هناك رجل يقف في الممر
ملامحه غير واضحة
قال الدكتور
“فارس”
اقترب الرجل
لكن صوته كان مختلفًا
قال
“مش فارس”
سأله محمد
“مين إنت”
قال
“آخر واحد خرج من هنا”
قال أحمد
“إنت من البعثة”
ضحك الرجل
“البعثة انتهت من زمن”
ثم نظر إلى الدكتور
“لكن أنت لم تنته”
قال مصطفى
“إنت عايز إيه”
أجاب
“أحذرك”
قال الدكتور
“من إيه”
نظر الرجل إلى عبد الرحمن
وقال
“من الشخص اللي هيخونكم”
ساد الصمت
ثم أضاف
“الخائن مش واحد من البعثة القديمة”
قال محمد
“أمال مين”
أجاب
“واحد منكم”
تراجع أحمد
“إحنا”
قال الرجل
“أيوه”
ثم اختفى داخل الظلام
—
نظر الأربعة إلى بعضهم
لم يعد أحد يعرف بمن يثق
قال أحمد
“أنا مش هخون حد”
قال محمد
“ولا أنا”
نظر عبد الرحمن إلى الدكتور
لكنه لم يتكلم
قال مصطفى
“الخيانة مش دايمًا بتكون باختيار الشخص”
سأله عبد الرحمن
“يعني إيه”
أجاب
“ممكن حد فينا يتغير”
ثم نظر إلى الختم
“أو حاجة تغيره”
فجأة
بدأ الختم يتحرك داخل يد عبد الرحمن
ظهرت عليه عين ثانية
قال محمد
“كان فيه عين واحدة”
أجاب الدكتور
“دلوقتي بقوا اتنين”
قال أحمد
“وده معناه إيه”
رد الدكتور
“إن الختم اتفتح”
ثم سمعوا صوتًا قويًا من أعماق المكان
دق
ثم
دق
ثم
دق
ثم صوت آخر
أقرب من كل مرة
“واحد منكم ليس كما تظنون”
نظر الأربعة إلى بعضهم
ثم انطفأت الأنوار
وفي الظلام
سمع عبد الرحمن صوتًا داخل رأسه وحده
“لا تثق في مصطفى”
فتح عينيه
لكنه لم يخبر أحدًا
وفي نفس اللحظة
كان الدكتور مصطفى يسمع صوتًا آخر
“لا تثق في عبد الرحمن”
وظل الأربعة واقفين في الظلام
وكل واحد منهم يحمل سرًا جديدًا
دون أن يعرف
أن اللعنة لم تعد تراقبهم فقط
بل بدأت تفرق بينهم من الداخل.
انتظر الجزء القادم
![]()
