...
IMG 20260911 WA0022

 

الكاتبه عاليا عجيزة

 

عالي البحر، وانكسرت الموجة الخضراء الثقيلة على جوانب القارب المهشّم.

 

جفّف خالد رذاذ الملح المترسب على جبهته، وطأطأ رأسه ينظر إلى الريشة السوداء المبتلة التي تركتها ندّاهة البحر خلفها على حافة الصخرة.

 

لم تكن ريشة طائر عادي، بل كانت مشبعة ببريق أرجواني ضئيل يلمع كلما لامسها ضوء القمر.

 

احتفظ خالد بالريشة داخل طيات ردائه بجانب القلادة الصدفية.

 

كانت أنفاسه متسارعة، ليس من الخوف، بل من ثقل اللحظة.

 

فالأسطورة التي تربى عليها لم تكن مجرد وحش كاسر يقتات على أرواح البحارة.

 

بل كانت شيئًا أعقد وأعمق.

 

كائنًا يحمل حزنًا قديمًا وسرًّا يربطه بالقلادة التي ورثها خالد عن جده الراحل.

 

بدأ القارب ينحرف بفعل التيارات القوية التي خلفتها قفزة الندّاهة في الأعماق.

 

لم يكن العودة إلى الشاطئ خيارًا سهلًا، فالأعماق من حوله بدأت تفور بفقاعات غازية حارقة، ورائحة كبريت خفيفة اختلطت بنسيم البحر المالح.

 

انتفض الغراب المفرد الذي كان يرافقها، وظل يحوم فوق رأس خالد في دوائر ضيقة، يطلق صيحات متقطعة كأنه يوجهه أو يحذره من خطب قادم.

 

فجأة، اهتز القارب برفق من الأسفل.

 

لم يكن اصطدامًا بصخرة.

 

بل كان أشبه بلمسة حذرة من يد هائلة تحت سطح الماء.

 

ارتفعت دوّارة ماء صغيرة أمام مقدمة القارب، وظهر منها وميض الأضواء الأرجوانية مجددًا.

 

ولكن هذه المرة لم تكن مصحوبة بالغناء الساحر، بل بصوت هسيس شبيه بحديث الهمس تحت الماء.

 

خرج رأس الندّاهة بطرق بطيئة من بين الأمواج على بُعد أمتار قليلة.

 

انحلّ شعرها الأسود الداكن ليطفو حولها كأنه حبر مسكوب في الماء.

 

فيما ظلت عيناها المتقدتان تثبتان النظر على خالد.

 

رفعت يدها ذات المخالب الدقيقة، وأشارت بإصبعها نحو القلادة الصدفية المستقرة في يد خالد.

 

ثم أومأت برأسها نحو مضيق مظلم يقع خلف «شعاب الموت» — منطقة محرمة على البحارة تُعرف بـ«هاوية الناثرا».

 

أدرك خالد الرسالة دون أن تنطق بكلمة واحدة: القلادة ليست مجرد درع حماية، بل هي مفتاح، والانكفاء الذي قامت به لم يكن هربًا، بل دعوة لمتابعتها إلى حيث تُحفظ العهود القديمة.

 

قبل أن يتخذ خالد قرارًا بالإبحار نحو المضيق المظلم، تعالت من جهة الشاطئ الأصلي زغاريد وصيحات مبهمة.

 

لقد لاحظ أهل القرية غياب قاربه وانطلاق السحر من ناحية الشعاب.

 

وبدأت أضواء المشاعل تظهر على جرف الشاطئ استعدادًا لإطلاق سفن الصيد خلفه.

 

وقف خالد عند صاري القارب المتداعي، بين أمرين لا ثالث لهما: العودة إلى أمان القرية ومواجهة تساؤلات أهلها التي لا تنتهي، أو الانقياد خلف الندّاهة وجناحيها المظلمين إلى عمق «هاوية الناثرا» لكشف الحقيقة الكاملة للطفلة البشرية التي تحولت إلى لعنة البحر.

 

قبض خالد على القلادة بقوة، وأدار مقود القارب نحو اتجاه المضيق المظلم.

 

ودخل في ظلال الجبال البحرية حيث لا يصل ضوء القمر.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *