...
IMG 20260911 WA0028

 

الكاتبه عاليا عجيزة

 

موجات أثيرية حارقة كانت تلتف حول هيكل القارب، وهي تتوغل داخل «هاوية الناثرا».

 

أطبق الظلام التام على المكان، ولم يعد يضيء العتمة سوى الوميض الأرجواني المتراقص تحت الماء، والريشة المشعة التي يمسك بها خالد في كفّه. كان الغموض يلف الجدران الصخرية العملاقة للمضيق، وكأن خالد يبحر داخل جوف كائن خرافي شقّ البحر شقًّا.

 

انقطعت أصوات المشاعل وصيحات أهل القرية تمامًا، وحلّ صمت مطبق لا يقطعه إلا صوت تقاطر المياه من أسقف المغارات البحرية المرتفعة. الغراب الأسود الذي كان يحوم سلفًا هبط بثقل على مقدمة القارب، وطوى جناحيه منتظرًا، كأنه دليل في هذا البرزخ المائي المظلم.

 

على بُعد أذرع قليلة، انشقت المياه برفق، وخرجت ندّاهة البحر بجسدها المهيب. تلاقت أجنحتها الجلدية السوداء فوق رأسها لتشكّل مظلة تقيها قطرات الماء المتساقطة من الأعالي. لم تكن هذه المرة تظهر بمظهر الخصم المتربص، بل كانت نظراتها تحمل ثقلًا دهريًّا وألمًا عمره قرون.

 

أشارت بيدها نحو جدار صخري مغطى بالطحالب الفسفورية والنقوش الغائرة. اقترب خالد بقاربه، وهو يرفع القلادة الصدفية، وما إن لامس البريق الأرجواني المنبعث من القلادة تلك النقوش، حتى بدأت الجدران تتحرك وتهتز، وكأن سحرًا قديمًا أُوقظ من سباته العميق.

 

تجسدت على الصخر صور متحركة من النور والظلال؛ رأت عينا خالد قصة العقد القديم: طفلة بشرية ضائعة وسط عاصفة هوجاء، تنقذها مخلوقات «الناثرا» من الغرق، لكن الثمن كان سلب إنسانيتها ومحو ذاكرتها، وتحويلها إلى حارس يدفع الأرواح المذنبة إلى القاع لحماية العرش المائي. لكن القلادة التي يحملها خالد لم تكن سوى أمانة تركها جده — البحّار الوحيد الذي نجا من بطشها قديمًا، بعدما أدرك حقيقتها وسرق جزءًا من ذاكرتها المفقودة ليحفظه داخل هذا الصدف.

 

اقتربت الندّاهة من القارب حتى باتت أنفاسها المكتومة تُسمع بوضوح. مدّت يدها المجهزة بمخالب حادة، ونظرت إلى خالد برجاء ناطق، كأنها تطالبه بفك وثاق اللعنة أو إرجاع ما سُلب منها. لكن قبل أن يمد خالد يده بالقلادة نحوها، اهتزت الهاوية بأكملها باعتصار مرعب.

 

انشق القاع تحت القارب عن عين عملاقة حمراء تتوهج في الأعماق البعيدة — كائن «الناثرا» الأكبر، سيد المحيط الحقيقي، قد استيقظ لإحباط الخيانة واسترداد الأمانة بنفسه. ارتفعت مجسات ضخمة سوداء تشبه أحبالًا فولاذية، محيطة بالقارب والندّاهة في آنٍ واحد.

 

صرخت الندّاهة صرخة مدوية هزت أركان المغارة، ونظرت إلى خالد نظرة أخيرة تجمع بين التضحية والتحذير، ثم قفزت بجناحيها وجسدها الحلكي نحو المجسات لتشتبك معها، دافعة ببراعة ذيلها القوي قارب خالد نحو مخرج خلفي ضيق ينفذ إلى البحر المفتوح.

 

تلاطم القارب مع الأمواج الثائرة، بينما انطلقت القلادة من يد خالد لتبتلعها الفجوة المائية المتوهجة بالضوء الأرجواني والأحمر.

 

خرج خالد إلى عرض البحر تحت السماء المظلمة، وساد الهدوء مجددًا، لكن البحر من خلفه بلع الهاوية بأكملها، ولم يبقَ سوى ريشة سوداء واحدة طافية على الماء، فاتحة الباب أمام تساؤل أخطر: هل سقطت الندّاهة في القاع للأبد، أم أنها حررت نفسها وبدأت حرب الأعماق؟

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *