...
IMG 20250531 WA0036(1)

قصة للكاتبة: نورين فريد

حلَّ منتصفُ الليل، إنني أستجدي النعاس لساعةٍ مضت ولا جدوى…

في غرفتي، في الظلام، في السكون، في الوحدة؛ أحتاجُ أن أنام؛ فَساعاتٌ ويأتي الصبحُ يجتاح غربتي بقيوده ومنبّهاته، وسأضطرّ لجرّ هذا البدن الذي لم يأخذ حقّه في الانسحاب من هذا الوجود لبضعِ ساعات.

ماذا بك يا عقلي؟ ألا نَمْ قليلًا -هداك الله-
وأقرأ:

بسم الله الرحمن الرحيم:
“وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ”

ماذا يا عقلي الآن وكلَّ ليلة؟ لو شئتَ لمْ تتعنّت!
منذ سنواتٍ كانت أمي تحكي لي قصةً فأنام، وتنام هي قبل أن تنتهي، وأبدًا لم تنتهِ تلك القصة، لكنّ أمي الآن على بُعدِ عشراتِ الكيلومترات، وأنا بدوري على بُعدِ بضعٍ وعشرِ سنين من عمر القصص…

ومع ذلك سأحكي لي قصةً علّني أنام.
حسنًا، ليكن:

كان يا ما كان، كلُّ ما كان:
نجمةٌ، وأرضٌ، وإنسان،
ولحظةٌ ممتدةٌ في كلِّ الجهات، وكونٌ ممتدٌّ في كلِّ اللحظات،
وفقط الجزءُ المرئي كان:
نجمةٌ، وأرضٌ، وإنسان.
أحدثَ شيءٌ أم لم يحدثْ أيُّ شيءٍ، الأمرُ سيّان!
ومرّ الوقت، أو اعتقد الوقتُ أنّه يمرّ،
فإنْ لم يكن هناك أمرٌ يتبدّل، فالوقتُ أضعفُ من أن يمُرّ.
كان الثباتُ حُرًّا،
إلى أن تحرّك الإنسان…
كانت أول حركة، يا للجمال!
كانت حركةً بسيطةً جدًا لكن في غايةِ الدقّة، يا للجمال!
ماذا حدث؟
لوهلةٍ، وللمرةِ الأولى،
هناك شيءٌ ما حدث!
كيف تحرّك وسط هذا العصف من الثبات؟
كلُّ ما كان، أن هذا الإنسان
طرفَ بعينِه، ونظر!
ما هذا؟
إنه أولُ فعل،
ويالعظمةِ ردّ هذا الفعل!
بدأت الأفعال تتوالى،
أفعالٌ كثيرةٌ تدفّقت في الثبات،
فذاب جليدُ الوقوف،
وبدأت نيرانُ الوقتِ تمرّ،
فهذه النجمةُ ارتجّت وشرعت تدور،
وترسلُ سهامَ الضوء بانسجامٍ وباستمرار،
وبسرعةٍ عجيبة، وكأنّها لم تذقْ يومًا طعمَ الثبات.
تظنُّ النجمةُ الآن أنها تكرهُ الثبات،
وتظنُّ أنت يا عقلي أنّ الثبات كان يقيّدُ طاقتها،
وأظنُّ أنا أنّ الثبات هو ما أمدّها بكلِّ هذه الطاقة الهائلة،
وأنّ الثبات هو ما كان يزرع فيها الاستمرارَ، وثمارَ السرعة، ويمنحها الفرصةَ للنموّ.
ومع ذلك، لندعِ الظنونَ جانبًا، فالموقفُ جلل!
من فرطِ قوّتها، النجمةُ بدأت تجذبُ الأرضَ حولها لتدور مثلها،
وبالفعل، كانت الأرضُ بدورها قد بدأت تدور،
ثم بدأ كلُّ شيءٍ في الانتظام من جديد.
ولأنَّ الخالقَ الأعظمَ حكيمٌ رشيد،
فإنه في قلبِ إيقاعِ التغيير بدأ الانتظام.
لكنّ الإنسان (ومِن عند الإنسان بدأ الاستدراك)
بقيَ معلّقًا في الظلام.
وهنا، ومِن هنا، انتابه أوّلُ شعور؛
إذ هوَ وحدهُ الذي لا يدور…
الخوف.
بدأ الإنسانُ يرتعد، يخافُ ويستوحش،
فأبتْ الأرضُ إلّا أن تُؤنِسَ الوحشانَ بنفسها،
فأخبرتهُ أن يهبط إليها، ويسكنَ إليها، وهي ستدور به نيابةً عنه.
وهبطَ باختياره، وقتما لم يملك خيارًا،
وما أنْ لمسَ الأرضَ حتى تحوّل إلى كرةٍ من الظلام،
تدور وتدور بسرعةٍ مرعبة…
من أين أتى الخوفُ مجددًا؟
إنه رعبٌ يكادُ يرديني؛ إذْ أرى نفسي تحوّلتُ إلى كرةٍ من الظلام تدور،
ولا أدري من أيّ الجهاتِ يأتي الخوف!
“يا رب، يا رب، يا رب…”
استيقظتُ مقذوفةً من هاويةِ النوم…
“الحمد لله…”
أمسكتُ على قلبي الذي شُجَّ من الرعب.
“لا إله إلا أنتَ سبحانك إنّي كنتُ من الظالمين…”
يا إلهي! أهكذا كان شعور يونس -عليه السلام- حينما قُذِفَ من بطنِ الموت؟
حسنًا، من جديد، لقد هرب النومُ من ذُعري…
فتحتُ هاتفي أتصفّح:
كما تشاهدون!
أشلاءُ طفلة…
ماذا؟
طفلةٌ أشلاء…
؟؟
هذا طفلٌ تطاير من مكانٍ إلى آخر!
ماذا؟
كما تشاهدون.

“لا حول ولا قوة إلّا بالله…”

فتحتُ شرفةَ غرفتي،
مستطيلٌ من السماءِ المظلمة وأربعةُ نجوم،
هذا كلُّ ما أراه من شرفتي…
وتساءلتُ: أينَ أنا من هذا العالم؟ وأينَ ذلك العالمُ منّي؟
كلُّ ما فعلتُه: هي الرؤية.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *