...
IMG 20250531 WA0025

 

الكاتبة منة الله محمد

 

هناك شيء داخلي ينطفئ ببطء، لكنني لا أدعه يختفي. أتمسك به كما يتمسك الغريق بآخر أنفاسه.

أرتدي القوة كدرعٍ هش، كأنني لم أكن يومًا على وشك الانهيار، كأنني لا أقاوم هذا الثقل الذي يُرهق روحي.

لا أحد يرى، لا أحد يسمع. أبتسم حين يُفترض بي أن أبتسم، أتحدث حين يجب أن أتحدث، وأصمت حين يخذلني صوتي.

أمضي بثباتٍ يشبه الوهم، كأنني لستُ متعبة، كأنني لا أترنح بين الصمود والسقوط.

في داخلي عاصفة، وفي ملامحي سكون.

أبدو كطمأنينة لم تعرف الفوضى، كقوةٍ لم تخض الحرب، لكن الحقيقة أنني معركة، أخوضها وحدي كل يوم.

أخفضت عيني إلى البحر الممتد أمامي، حيث تتلاشى الأمواج في الأفق، كأنها لم تكن، تمامًا كما أشعر أنا.

الصمت يحيط بي، إلا من صوت الريح التي تعبث بخصلات شعري، وكأنها تهمس لي بسؤالٍ لا أرغب في سماعه:

– “إلى متى؟”
لا أجيب. لا أعرف الإجابة، وربما لا أريد أن أعرف.

إلى جانبي، يجلس القط الصغير، يراقبني بعينيه الفضوليتين، وكأنه يرى ما لا يراه الآخرون.

أبتسم له بضعف، ابتسامة متماسكة ككل شيء آخر في حياتي، ثم أعود ببصري إلى الماء، أبحث فيه عن شيء لا أعرف كنهه. ربما عن الطمأنينة التي أدّعيها، أو عن القوة التي أرتديها كدرع هش، أو ربما عن ذاتي التي تتلاشى بصمت، كأثرِ خطوةٍ على الرمال محتها الأمواج قبل أن يدركها أحد.

أتنهد، أرفع يدي قليلًا، وأحدق في الخاتم حول إصبعي.

أديره ببطء، كأنني أبحث في بريقه عن شيء يثبتني، عن معنى يربطني بهذا العالم.

كم مرة جلست هنا، في المكان ذاته، أعبث بالخاتم محاولةً إقناع نفسي أنني بخير؟ كم مرة أقنعت الآخرين بذلك؟

يتلألأ الحجر تحت الضوء الخافت، وكأنه يعكس كل الكلمات التي لم تُقل، كل المشاعر التي لم تجد طريقها للخروج.

أشعر ببرودته تلامس بشرتي، وكأنها تحاول تهدئة العاصفة داخلي، لكنها لا تفلح.

أبتسم بضعف، أشيح بوجهي بعيدًا عن الخاتم، بعيدًا عن كل ما يمثله. أغمض عيني للحظة، أسمح للأفكار أن تتدفق بلا مقاومة، ثم، كعادتي أفتحها مجددًا. أتنفس بعمق، أرفع رأسي، وأمضي.

البحر أمامي، السماء فوقي، والعاصفة داخلي.

لا أحد يرى الحرب التي أخوضها كل يوم، لا أحد يسمع صرخاتها المكتومة. لكنني لا زلت هنا.

ورغم كل شيء… سأظل أقاوم.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *