حوار: أسماء السيد لاشين
في عالم يعج بالأصوات المتداخلة والمحتوى المتسارع، هناك أصوات تختار أن تسير عكس التيار، لا لأنها تحب الاختلاف لمجرد الاختلاف، بل لأنها ترى أن العمق بات ضرورة، وأن الكلمة قد تكون سبيلًا لإعادة التوازن وسط الضجيج. ضيفتنا اليوم هي إحدى هذه الأصوات، كاتبة شابة من الجزائر اختارت أن تكتب بوعي وهدوء، وأن تحمل بين سطورها رسالة فكرية وإنسانية راقية. إنها الكاتبة رقيّة بوزعوت، صاحبة كتاب “صوتك الداخلي”، الذي خطّ أولى خطواتها في عالم النشر الأدبي.
في هذا الحوار، نقترب من ملامح شخصيتها الكتابية، ونرصد مسيرتها من بداياتها الأولى حتى طموحاتها المستقبلية.
١. في البداية، نود أن نتعرف عليك
أنا رقية بوزعوت، من الجزائر – ولاية معسكر. لم أبدأ الكتابة منذ وقت طويل، وقد صدر لي أول كتاب بعنوان “صوتك الداخلي”، وهو عمل يتناول رسائل موجهة للفتيات، ويجمع بين التحفيز والتأمل. أكتب بين النثر والرواية، وأسعى لأن تكون كلمتي مساحة للتفكر لا مجرد سرد.
٢. متى بدأتِ مسيرتك في عالم الكتابة، وما كانت الدوافع الأولى التي وجهتك لهذا المجال؟
بدايتي مع الكتابة كانت في سن مبكرة، لكنها لم تكن قرارًا عابرًا. جربت هوايات كثيرة، وكنت أبحث عمّا يشبهني ويفتح لي مساحة صادقة للتعبير.
التحول الحقيقي جاء حين بدأت ألاحظ حجم التشوش الذي يعيشه جيلنا، والشعارات السلبية التي تُقدّم على أنها حتميات. شعرت أن الكتابة قد تكون أداة لإعادة التوازن، ووسيلة لطرح رؤى بديلة بوعي وصدق.
لم أدخل عالم الكتابة لإثبات شيء، بل لأضيف، ولأواجه بطريقتي الهدوء السلبي الذي يسرق وعينا دون أن نشعر.
وأحب أن أخص بالشكر السيد حميدي قادة، الذي آمن بموهبتي منذ البداية، وقدم لي دعمًا صادقًا لا يُنسى.
٣. ما أبرز الموضوعات التي تحرصين على تسليط الضوء عليها في كتاباتك؟
أركز على آلية التفكير، وعلى فهم الذات والعلاقات من منظور أعمق.
لا أطرح حلولًا سطحية، بل أفتح مساحة للتأمل الحقيقي.
أعزز الجانب النفسي للفرد لا بالتحفيز التقليدي، بل بتفكيك المفاهيم المغلوطة التي تزرعها التربية والمجتمع والتجارب.
وأرفض تمامًا نشر السلبية، ليس إنكارًا لواقعها، بل لأن تكرارها يُبلّد الإحساس. أفضّل أن أكتب بأسلوب يُعيد بناء الداخل، بحيث يخرج القارئ من النص بسؤال جديد، أو رؤية مختلفة.
٤. كيف ترين دور الكتاب في التأثير على المجتمع وبناء وعيه؟
الكاتب ليس مجرد راوي أو مؤلف، بل شريك في تشكيل وعي المجتمع.
كل كلمة تُنشر إما تضيف معنى، أو ترسّخ خللًا.
المحتوى المفيد لا يقتصر على المعلومة، بل يوجه البوصلة الأخلاقية والفكرية.
في زمن كثُر فيه الكلام وقل فيه الوعي، نحن بحاجة إلى كُتّاب يكتبون بنية البناء لا الاستعراض، وبهدف الإصلاح لا الجدل.
٥. ما أبرز الصعوبات التي واجهتك خلال رحلتك الأدبية؟ وكيف تعاملت معها؟
لم تكن رحلتي مع النشر صعبة، بل وجدت دعمًا حقيقيًا من دار رسائل للنشر والتوزيع، وكان التعامل معهم راقيًا ومشجعًا.
الصعوبة الأكبر كانت داخليّة، إذ تساءلت طويلًا: كيف أقدم كتابي الأول بطريقة تليق بما أحمله من فكر؟
كنت أدرك أن هذا العمل سيكون مرآتي أمام القارئ، فحرصت أن تكون صافية وصادقة.
ولله الحمد، نفدت الطبعة الأولى في أقل من شهرين، ونحن نستعد حاليًا لإصدار طبعة جديدة.
نجاح التجربة الأولى لم يكن صدفة، بل ثمرة فكرة صادقة ودعم حقيقي ولحظة مناسبة.
٦. هل هناك شخصيات أدبية أو فكرية كان لها تأثير خاص على أسلوبك أو اختياراتك؟
قرأت لعدد من المفكرين مثل أحمد الشقيري، مارك جولستون، يوسف الحسني، وغيرهم.
لكن لم أبحث يومًا عن تقليد أحد.
كنت أقرأ بعين المراقِبة أكثر من المعجَبة، وأهتم بالزاوية التي يفتحها الكاتب لا بأسلوبه.
تأثرت بالتجربة أكثر من الشخص، وأحاول أن أحتفظ بهويتي الخاصة بعيدًا عن الاستنساخ.
٧. من بين ما قدمتِ، هل هناك عمل له مكانة خاصة لديك؟ وما سبب ذلك؟
نعم، هناك نص في كتاب “صوتك الداخلي” يتناول فكرة التوافق العقلي والنفسي بين الشريكين.
أحبه كثيرًا لأنه يعبر عن قناعة شخصية، ويطرح موضوعًا عميقًا نغفله كثيرًا.
هو نص أراه يمثلني ويعبّر عني أكثر من غيره.
٨. كيف تتعاملين مع الملاحظات النقدية؟ وهل ساعدك النقد يومًا على تطوير أسلوبك؟
أقدر النقد البناء وأرحب به، لأنه يساعدني على رؤية نقاط ضعفي بوضوح.
أما النقد الانفعالي أو الهدام فلا أعيره اهتمامًا، لأنه لا يحمل نية التطوير بل الإحباط.
حتى الآن لم أتلق نقدًا تحليليًا لأسلوبي، لذلك أطور نفسي بالملاحظة الذاتية، والقراءة، والاستماع إلى محتوى متخصص في الكتابة.
٩. هل ترين أن الدور الثقافي للكتاب يجب أن يمتد خارج النشر، من خلال الفعاليات والمبادرات المجتمعية؟
نعم، أرى أن صوت الكاتب لا يجب أن يقتصر على الصفحات.
حين تخرج الكلمة من النص لتُقال في ندوة أو تُناقش في فعالية، فإنها تكتسب حياة جديدة.
لكن الأثر لا يُقاس بالحضور الجسدي، بل بالصدق والنية، فبعض الكلمات تُحدث فرقًا دون أضواء أو ميكروفونات.
١٠. ما هي رؤيتكِ المستقبلية في مجال الكتابة؟ وهل هناك مشاريع جديدة قيد التنفيذ؟
أطمح أن أكون كاتبة تترك أثرًا لا ضجة، وأن يتطور فكري وأسلوبي من عمل إلى آخر.
الكتابة بالنسبة لي ليست أرقام كتب بل عمق التجربة، وصدق الكلمة.
حاليًا أعمل على مشاريع جديدة تختلف عن كتابي الأول، منها رواية تمزج بين الخيال والبحث الأثري والفانتازيا.
أعتبرها نقلة نوعية في مسيرتي لأنها تدمج بين السرد والتأمل وتفتح عوالم جديدة أطمح من خلالها أن أصل إلى شريحة أوسع من القراء.
رقية بوزعوت ليست مجرد كاتبة، بل صوت جديد يُعيد الاعتبار للكلمة الصادقة وسط ضجيج الشعارات العابرة.
اختارت أن تكتب لتعيد ترتيب وعينا، وتمنحنا فسحة من التأمل في زمن السرعة.
هي نموذج حيّ لمن آمن بفكرته، وصقل موهبته، وكتب من أجل التغيير، لا التكرار.
نتمنى لها في مجلة الرجوة مزيدًا من التألق، ونجاحات أكبر في رحلتها الأدبية القادمة.
![]()

وفقك الله و سدد خطاك و اثلج قلبك بتحقيق طموحاتك و احلامك ، انتِ فخر لنا❤️