الكاتبة ملاك عاطف
“الذين يغيبون دون وداع، يتركون فينا أبوابًا تفتح كلّما ظننّا أنّنا أغلقناها”
يزرعون في أرواحنا مزيج مشاعر كثيف القوام، فيه بعضٌ من عتابٍ وشيؤٌ من حنينٍ وكثيرٌ من شوقٍ غامر. شوقٌ يشبه اللغم، يتفجّر في خلجات الزّمن، لتندلع نار ثقلِ الغياب في الساعات، فتصهر سريان الدّقائق أو تسحب منها خفّتها. وتبدو العقارب كعجوزٍ شائخ، تجرّ نفسها عنوةً، وتصير في حركتها البندوليّة الثقيلة أبطأ من السّلاحف!
وفي غضون صيرورة هكذا مشهد، أتساءل في قرارة نفسي عمّا إذا كان بوسعي دسّ نظرةٍ فضوليّةٍ في السّاعة؛ لعلّي أرى تكوينة العقارب؛ إذ ينتابني إحساسٌ -يغلب بقوّته كينونة الوقائع-بأنّ الوقت يخرج عن طاعة دورة الليل والنّهار؛ ضعفًا أمام المشاعر.
هل تفهم الدّقائق معنى الأسى؟ وهل دقّات الساعةِ ملمّمةٌ بمفهوم السعادة؟
إذا كان الجواب يحمل في ثناياه علامة الإيجاب، فلمَ تتثاقل الثواني في الحزن، وتسابق الريح والبرقَ في الفرح؟
لم أفكّر كثيرًا في الإجابة، بل جسّدتُ توقي لمعرفتها بالفعل، فكسرت ساعةً واستخرجت عقاربها، لكنّ طيشي كان يرتكب جريمةً وسمت بثلاث ضحايا. كان قتلًا خطأًا كفّرت عنه بمراسم جئت بها من وحيِ الغرابة العميقة.
غسلت العقارب بدمعي، وكفّنتها بمنديل الذكرى، ودفنتها تحت الباب!
لكنّ الدّمع هطل من مزن الحنين، والمنديل كان قطعةً قصصتها من ماضٍ لا يملّ من مباغتتي، والقبر كان نقطة الضعف وموضع الألم والتواء الخاطر وسجن طيف الراحلين.
دفنت العقارب الثلاثة وهممت بالانصراف أنا وأعقاب تفاصيلي مع أناسٍ غادروني وجعلوا منّي يتيمةَ التلويحة الأخيرة، ولكنّ التفتّ وردّدتُ للسامعين من الموتى: الذين يغيبون دون وداع، يتركون فينا أبواب تفتح كلما ظننّا أننا أغلقناها، وتنهيداتٍ مكتظّةً بألم الغياب عصيّةً على الهجران!
![]()
