كتب: حسين العلي
في لحظاتٍ ما من الحياة، يقف الإنسان عند مفترق طرق، لا يدري إلى أي اتجاه يمضي، تشتبك في ذهنه الاحتمالات، وتتزاحم الأسئلة في صدره: أيُ طريقٍ هو الخير؟ وأيُّ قرارٍ يحمل بركة المآل؟ فيقف متردّدًا، حائرًا، خائفًا من عواقب الاختيار، كأنّ الزمن كله يتجمّد حوله، بينما تتسارع نبضات قلبه المرتبك.
هذه الحالة. حالة التردّد الحاد بين خيارين أو أكثر ، ليست نادرة، بل تكاد تكون قاسمًا مشتركًا بين البشر، مهما بلغ علمهم أو رسوخهم. والسبب في ذلك أن الإنسان بطبعه محدود الرؤية، قاصر المعرفة، لا يعلم الغيب ولا يحيط بعواقب قراراته.
لكن الإيمان الحقيقي لا يُقاس وقت الراحة، بل يُمتحن وقت الحيرة. عندها، لا يكون المطلوب منك أن تحلّ كل الألغاز، بل أن تُسلم أمرك لله بيقين، أن تثق أن الخير، مهما بدا لك غامضًا أو متأخرًا، هو في ما اختاره الله لك. يقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : “ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار.”
فإذا أحاطت بك الحيرة، فابدأ من الداخل، من موضع الإيمان، من حيث تقف بين يدي ربك وتقول: “اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسّره لي، ثم بارك لي فيه.” إنها دعوة تسليم، دعوة يقين، تقول فيها: يا رب، أنا لا أعلم، لكنك تعلم، فأرشدني.
ثم اجمع شتاتك. لا يكفي أن تستخير وتنتظر أن يسقط القرار من السماء، بل امضِ في طريقك بثقة. اجمع قوتك، استفت قلبك، استشر من تثق بعقلهم وتجربتهم، ثم اتّخذ القرار، وامضِ دون خوف. لا تركن للقلق، ولا تجعل نتائج القرار تثنيك أو تجرّك نحو جلد الذات. فالمؤمن لا ينظر إلى النتائج بميزان الربح والخسارة المادية، بل بميزان الرضا عن حكمة الله، والطمأنينة بأنه ما من خطوة خطاها إلا وكان لها في قلب الحكمة موضع.
المؤمن لا يخاف الطريق إذا كان الله رفيقه، ولا يندم على قرارٍ اتخذه وهو موقن بأن الله معه. فالثقة في الله لا تعني أن كل الطرق ستكون سهلة، بل أن كل الطرق ستوصلك إلى ما فيه خيرٌ لك، حتى وإن خالفت توقعاتك.
وفي هذا السياق، علينا أن نعيد تعريف مفهوم “النجاح” و”الفشل” في قراراتنا. فكم من أمرٍ حسبناه فشلًا في وقته، فإذا به سببٌ لنضجنا، وسببٌ لفتح أبوابٍ ما كنا لندركها إلا بتلك العثرة. وكم من قرارٍ خشينا اتخاذه، ثم تبين لنا لاحقًا أنه كان الطريق الوحيد للعبور من الظلمة إلى النور.
الفرق بين المؤمن وغيره، أن غير المؤمن يظن أن القرار الصائب هو الذي يحقق له المكاسب فقط، أما المؤمن، فيعرف أن القرار الصائب هو ما يُرضي الله أولًا، ثم ما يُثمر في قلبه سكينة، وفي طريقه بركة، ولو جاء بعده اختبار أو ألم. لأن الله لا يضع عباده في مفترق طرق ليعذبهم، بل ليُربّي قلوبهم، ويُعلّمهم كيف يُحسنون الثقة، حتى لو كانت الأرض من تحتهم تهتز.
ولا تنسَ أن القرارات المصيرية لا تصدر من العقول فقط، بل من القلوب المؤمنة. والقلب المؤمن لا يُقاس بضعفه أو قوته، بل بمدى اتصاله بالله في لحظات التردد، والخوف، والرهبة من المجهول.
وهنا تأتي قيمة التوكل: أن تمضي دون أن تملك ضمانات، وأن تخطو دون أن ترى النهاية، وأن تعيش تفاصيل الاختيار بقلبٍ مملوء بالإيمان لا بالشك، وبالثقة لا بالهواجس.
وما أجمل أن تكرّر في خلواتك:
“حسبي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم.”
وأن تُعيد إلى ذهنك دومًا:
“وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.”
إنّ أعظم قرارات الحياة لا تأتي دائمًا في لحظة إشراق، بل أحيانًا في عمق الظلمة، حين يكون العقل مثقلًا، والقلب مرتبكًا، والخيارات متشابكة. عندها، لا تنتظر أن تزول الحيرة تمامًا، بل اتّكئ على يقينك بالله، وامضِ.
في نهاية المطاف، نحن لا نختار لتكون النتائج مبهرة، بل لنكون صادقين مع قلوبنا، ومع نوايانا، ومع الله الذي بيده كل أمر، وكل حكمة، وكل قدر.
فإذا وجدت نفسك في مفترق طرق:
ثق أن ما اختاره الله لك خير، وإن غاب عنك وجه الخير فيه.
استجمع قوتك ولا تقف مترددًا طويلًا.
استخر، استشر، ثم امضِ بقلبٍ موقن.
ولا تبالِ بالنتائج، فإنك إن صدقتَ نيتك، كُتب لك الخير، في كل حال.
فالخير، كل الخير، في التسليم لما اختاره الله لك.
![]()
