...
Img 20250718 wa0022

كتب: محمود جمال أبو خميس

في العلاج المعرفي السلوكي، نقول دائمًا إن الألم لا يصدر عن الحدث ذاته، بل عن تفسيرنا له.

وفي سورة التغابن، تأتي هذه الآية الكريمة لتُعيد تشكيل هذا التفسير النفسي بمنظور إيماني راسخ:

{ما أصاب من مصيبةٍ إلا بإذن الله، ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه، والله بكل شيءٍ عليم}

لم تبدأ الآية بوصف المصيبة، بل بدأت بتثبيت الحقيقة الكونية: أن ما يصيب الإنسان ليس عبثًا ولا فوضى، بل بإذن الله.

وهذا “الإذن” ليس مجرد مشيئة مطلقة، بل تدبير إلهي حكيم، لا يُنزل شيئًا بلا غاية، ولا يقدّر ألمًا بلا سبب.

ثم تنتقل الآية إلى الأثر النفسي لهذا الفهم:

“ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه”

فمن يُسلِّم أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وأن ما قدّره الله إنما كان لحكمة، فإن هذا الإيمان هو الذي يهدي قلبه إلى الطمأنينة، والرضا، والثبات.

هذا التدرّج العجيب في الآية يكشف ترتيبًا تصاعديًا بديعًا:

مصيبة ، إذن إلهي ، إيمان ، هداية قلب

الآية تأخذك من اضطراب الواقع إلى سكينة الداخل

 من الاضطراب الخارجي إلى الطمأنينة الداخلية.

“يهدِ قلبه”، ولم يقل “يهدِه”.

إن اختيار “القلب” تحديدًا يشير إلى أن التغيير يبدأ من الداخل، من موضع الانفعال، لا من ظاهر الحدث.

لم تقل الآية: “يبدّل حاله”، أو “يرفع مصيبته”، بل: “يهدِ قلبه”؛ وكأن الله يقول:

لن أغيّر لك الواقع، بل سأمنحك قلبًا ثابتًا فيه.

لن أغيّر المصيبة، بل سأهدي قلبك فيها.

هذا الإيمان بأن المصيبة جاءت بإذن الله، يوقف سيل التهويل الذهني، ويفتح باب القبول الواعي؛

وهو ما يُعرف في العلاج النفسي الحديث بمهارة “تنظيم الانفعال”.

هداية القلب = تنظيم داخلي للمشاعر

أي: انخفاض التوتر، ضبط القلق، واحتواء الانفعال، بدل الانهيار أو الإنكار.

ومن يؤمن بالله إيمانًا صادقًا ساعة الابتلاء، فإن قلبه يُهدى، ونفسه تُشفى، ومحنته تتحول إلى منفذٍ للنور، يصنع منه نسخةً أقوى وأنضج، وتغدو محنته سببًا لنموّه، لا لانكساره.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *