الكاتبة منال ربيعي
لم تكن تعرف طريق الدعاء، ولم تحفظ الأسماء الحسنى، ولم ترفع يديها إلى السماء كما يفعل الناس حين تضيق بهم الأرض، لكنها كانت تحبّه… بطريقتها.
كانت تحبه حين تفتح النافذة صباحًا، وتقول في قلبها: “ما أجملك أيها العالم”، وحين تسقي الزرع بهدوء، وحين تمرر يدها على رأس طفل نائم وتدمع دون أن تُفصح عن السبب.
كانت تحبه في كل مرة جلست فيها وحدها، بلا حديث، بلا تسبيح، فقط بصمتٍ ممتنٍّ، عميقٍ، كأن قلبها يسجد وهو ينبض.
لم تكن تقول “يا رب” كثيرًا، لكن ملامحها كانت تقولها دون صوت، وكانت تعرف أن كل حركة صادقة، كل لمسة حنونة، كل مسامحة لا تُذكر… هي صلاة لا تُرى.
كانت تتوضأ حين تغسل قلبها من الحقد، وتصلي حين تضع رأسها على الوسادة، وتهمس في داخلها: “كن قريبًا، كما كنت دائمًا”. ولم تكن تنتظر جوابًا، لأنها تشعر به حاضرًا في كل شيء، حتى في السكون.
لم تكن تعرف من أين بدأ هذا الحب، ولا كيف صار كل ما حولها إشارة إليه.
لكنّها أدركت أنه مقيم في روحها، كما تُقيم الروح في الجسد: لا يُرى، لا يُمس، لكنه حياة كل شيء.
لم تدرس التصوّف، ولم تقرأ كتب المحبين، ولم تبحث عن طريق، لأنها كانت تسير فيه بالفطرة.
وكانت كل نيتها أن تُحبّ كما يليق بالمحبين الخُلّص… بلا شروط، وبلا حاجة لأن تُفهم.
هي لا تُبشّر، لا تنصح، لا تشرح ما تشعر به؛ لأنها تعرف أن الله لا يُعرّف بالكلام، بل بالحياة التي نعيشها بحب، وبالأثر الذي نتركه دون أن نطلب شكرًا أو تصفيقًا.
كان في عينيها ضوء، لا لمعان فيه، لكنه يُشبه الهدوء الذي يتنزل على قلبٍ خاشع.
وفي ابتسامتها نداء لا يُسمع، لكنه يصل.
كانت تمشي في الأرض، وكأن الأرض تعرفها، وكأنها تُحبّها؛ لأنها تحمل في خطاها أثرًا من السماء.
وحين سألها أحدهم: “هل تؤمنين؟” ضحكت، لا بسخرية، بل بطمأنينة، وقالت:
“وهل يمكن لأحد أن يتنفس دون أن يؤمن؟”
لم تكن تنطق اسمه، لأنه كان حاضرًا في كل نبض، ولم تكن تناديه، لأنه يسكنها.
ولم تكن تُشهد، لأن حياتها كلها كانت الشهادة الصامتة، التي لا تُرفع بالأصابع، بل تُروى بالرحمة، والتسامح، وبالنجاة التي لا تُعلَن.
![]()
