...
IMG 20260427 WA0126

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

أمام واجهة متجر “كرانفيل كوينسي للمقتنيات السحرية”، تقفُ الرطوبةُ حارسةً على أبوابِ الماضي. الزجاجُ المُعشّق يعكسُ ضوءًا خافتًا لا يشبه ضياء النهار، بل يشبه بريق عينين غارقتين في الوداع. هنا، في هذا الزقاق الذي سقط من ذاكرة الخرائط، لا يُباع السحرُ بالذهب، بل يُقايضُ بالعمر.

كانت رائحة المطر تمتزج برائحة الورق القديم والخشب المتآكل. هناك، التقيا. هو رجلٌ يحمل في معطفه ثقل قرونٍ من الوحدة، وهي امرأةٌ يبدو أن وجهها نُحت من ضوء القمر الهارب. لم يكن حبًا من النظرة الأولى، بل كان اعترافًا من النظرة الأولى؛ اعترافُ غريقٍ لغريقٍ آخر بأن اليابسة لم تعد موجودة.

همس لها وهو يلمسُ مرآةً قديمة داخل المتجر: “الحب يا عزيزتي ليس حياةً إضافية، إنه الطريقة الأجمل لنموت ببطء دون أن نشتكي.” نظرت إليه، ولم يكن في عينيها خوف، بل كان فيهما ذلك الرضا الغريب الذي يسكن وجوه الذين أدركوا أن النهاية بدأت بالفعل.

في عالم “كرانفيل كوينسي”، لا توجد ورود حمراء. الوردُ هنا يُحفظ في قوارير من الزجاج الأسود، يعيشُ على أنفاس العشاق الذين قرروا أن يحبوا لدرجة الهلاك. كانا يتجولان بين الرفوف المثقلة بالجرار التي تحتوي على “ضحكاتٍ مُحنطة” و”وعودٍ مكسورة”.

كل لمسة يد بينهما كانت تقتطع جزءًا من نبضهما. الحب الأسود ليس ترفًا، إنه عقد فاوستي مع القدر. أحبها بطريقةٍ جعلت الموت يغار منهما؛ أحب فيها ذلك الضعف الإنساني، وتلك الهشاشة التي تجعل الكائن يرتجف أمام فكرة الغياب. كان يقول لها: “أريد أن أدفن قلبي في صدرك، ليس ليحيا، بل ليكون هذا قبره الوحيد الذي لا يجرؤ أحدٌ على نبشه.”

لم يكن الموت في قصتهما عدوًا، بل كان الشاهد الصامت الذي يجلس في زاوية المتجر، يراقب احتراقهما بابتسامةٍ شاحبة. في الرومانسية السوداء، الموت هو الضمان الوحيد للخلود. فكلُّ حبٍ يبقى على قيد الحياة معرضٌ للذبول، للعادة، وللملل. أما الحب الذي يقطعه الموت في ذروته، فهو الحب الذي يظلُّ عالقًا في سماء الأبدية كصرخةٍ لا تنتهي.

في ليلتهما الأخيرة، أمام تلك النافذة المضيئة بوهج القناديل القديمة، تعاهدا. لم يكن عهدًا بالبقاء، بل كان عهدًا بأن يرحلا معًا قبل أن يفسد العالمُ طهارة حزنهما. تناولا “إكسير النسيان” من فوق رفٍ مغبر، إكسيرٌ لا يمحو الذاكرة، بل يمحو الجسد لتبقى الروح عالقة في تفاصيل ذلك المتجر إلى الأبد.

اليوم، إذا مررت بمتجر “كرانفيل كوينسي” في ساعةٍ متأخرة، قد ترى ظلين خلف الزجاج المضبب. لن تجدهما يضحكان، بل ستجدهما يتأملان المارة بصمت. هما الآن جزءٌ من “المقتنيات السحرية”؛ قصةُ حبٍ اكتملت فقط عندما توقفت القلوب عن الخفقان.

لقد أدركا في النهاية أن أعظم مأساة للحب ليس الموت، بل أن نعيش بعد من نحب. لذا اختارا الموت عناقًا، والعدم وطنًا، تاركين خلفهما لافتةً خشبية تئن تحت الريح، تخبر الغرباء أن هنا عاش اثنان أحبا بعضهما لدرجة أن الحياة لم تعد تتسع لهما.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *