الكاتبة نور عبد الله
كلما ضاقت بي الدنيا، قصدت كوخًا صغيرًا منزوِيًا في المدينة، أخاله بُنِي منذ الأزل. جدرانه من خشب، تتباين ألوانه بين لون القهوة الداكنة وأوراق الخريف المتساقطة، كأنه يقول: “رغم حَرْق الأيام لي، سأبقى قويًا شامخًا، لا يُزَحْزِحُني شيء.”
أدخل، فأجلس على أريكة من قطن سكري طري. لطالما خالجني سؤال حولها: لماذا لم يتلفها الزمن؟
لكن في هذا المكان يضمحل المنطق، بل تغمرك رغبة في الجنون، وفي أن تضحك كالمسعور.
فهنا، لا قوانين تُجَرِّم، ولا مجتمع يُحَرِّم. أنت وحدك الحاكم والمسيطر.
أستلقي على الأريكة الوردية، وقد تزينت بزهرات البابونج البرية. وأُمعِن النظر في السقف والجدران الداخلية.
كل مرة آتي فيها إلى هذا البيت، أجدها قد طُلِيَت بألوان جديدة زاهية، وأركانه مملوءة بألعاب حسبتها انقرضت من الأسواق المحلية، وقد تحلقت حول طاولة دائرية ترتشف الشاي، وتوزّع قطع حلوى صُنعت من حبات التوت الأزرق البرية.
هنا، توجد قوة خارقة خفية تجعلني أسترخي، وأتدلّى على أريكتي، كأن هذا القطن يمتصّ توتري وهمومي، والألوان في تغيّرها تواسيني، وتحدثني أن دوام الحال من المحال، وسيشرق المستقبل وتحلو الأيام.
أما تلك الألعاب التي تدبّ فيها الحياة، فتقترب مني، وتهديني حلوى بحجم المضغة. وحين أبتلعها، أحسّ نشاطًا في جسدي المنهك، وأجد شعاعًا دافئًا يُنير صدري، كأن شمس الشتاء أشرقت في جوفي.
وقبل التهام السماء لنجمها، أعود للمنزل كما وصَتْني أمي.
![]()
