...
Messenger creation 1135522768385791

كتبت منال ربيعي 

ثمة لحظات في الحياة لا نجد فيها ما نتمسك به. لا الأمكنة تُشبهنا، ولا الوجوه تُصافح أرواحنا. نمشي في الطرقات كأننا لا ننتمي إلى شيء. كل ما حولنا يبدو غريبًا، صلبًا، منقوشًا كالحجر على أرواح فقدت الدفء.

كنتُ أعبر مدنًا حجرية قاسية، الناس فيها يمشون بعيون مطفأة، كأنهم نسوا الضحك منذ قرون. في السوق، لم يساومني أحد؛ الجميع كان يبيع الوقت ويشتري الصمت، وكأنّ الحياة أصبحت صفقة لا لغة فيها ولا قلب.

وفي طريقي، عبرتُ جسرًا متهالكًا، وسمعت امرأة عجوز تهمس:
“من ضلّ طريق السماء، أضاع الأرض أيضًا.”
تلك الجملة كانت كأنها نداء من داخلي أنا، لا من فمها.

جلستُ تحت شجرةٍ على أطراف قرية منسية، وقطفت ثمرة لا اسم لها. طعمها أعاد لي صورة أمي وهي تمشط شعري، تهمس لي:
“الحق لا يُرى إلا حين تغمض عينيك عن الخوف.”

حينها، نظرتُ إلى السماء، لا إلى الأرض.
وبكيت.

وبين دمعة ونجمة، لمعت البوصلة.
كانت هناك، لا في يدي، بل في قلبي.
حينها فقط فهمت:
الطفلة التي أبحث عنها منذ زمن، لم تكن ضائعة… كانت تتبعني بصمت، تنتظر أن أراها، لا بعيوني بل ببصيرتي.

الطريق لم يكن في المدن، ولا في الجدران العالية، ولا في وجوه العابرين.
كان في الذكرى، في الحنين، في الطهر القديم الذي نسيناه حين ركضنا خلف الضجيج.

أنا لم أصل حين وصلت، بل بدأت.
الوصول لم يكن نهاية الرحلة، بل بدايتها الحقيقية.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *