كتب: منير الدايري
في زمنٍ كانت فيه صفحات الكتب وحدها من تصرخ في وجوهنا طلبًا للانتباه، كان التركيز أمرًا عاديًا، بل جزءًا من الحياة اليومية.
أما اليوم، فبات التركيز أشبه بمهارة خارقة، يسعى الجميع لاستعادتها بعدما سرقها العالم الرقمي تدريجيًا.
فهل فعلاً أصبحنا أقل تركيزًا؟ أم أن البيئة من حولنا تغيّرت بشكلٍ لم يعُد يسمح للعقل بالبقاء ساكنًا لأكثر من لحظة؟
—
أولًا: كيف يتحوّل الدماغ إلى متسوّل للانتباه؟
في كل مرة ننتقل فيها من تطبيق إلى آخر، ومن إشعار إلى فيديو، ومن محادثة إلى بريد إلكتروني،
نُعيد تدريب أدمغتنا على نمط جديد من التفكير: تفكير مجزأ، سريع، وغير مستقر.
لم نعد نُكمل قراءة مقالة، أو مشاهدة فيديو حتى نهايته، أو حتى محادثة دون أن نلتفت إلى الهاتف.
كل هذه العادات الصغيرة تُراكم تأثيرًا كبيرًا على قدرتنا على التركيز الطويل والمستمر.
—
ثانيًا: التركيز ليس مهارة ضائعة… بل طاقة تُستنزف
العقل يشبه العضلة: كلما استُخدم في مهام كثيرة دون راحة، أُرهق.
ومع كثرة المقاطعات اليومية – إشعارات، ضوضاء، توتر، تعدد مهام – يتشتت الانتباه، ونفقد القدرة على التعمق.
التركيز لا يعني فقط إنجاز كتاب أو مشروع، بل أن تكون حاضرًا بالكامل في ما تفعله، ولو لدقائق قليلة.
—
ثالثًا: هل يمكننا استعادة تركيزنا؟ نعم… ولكن بشروط
1. تنظيف البيئة الرقمية: حذف التطبيقات المشتتة، إيقاف الإشعارات، وتحديد أوقات محددة لاستخدام الهاتف.
2. ممارسة التأمل أو المشي بدون هاتف: حتى عشر دقائق يوميًا تُعيد تدريب الدماغ على السكون.
3. إعادة هيكلة طريقة العمل: التركيز على مهمة واحدة، بفترات زمنية قصيرة تتخللها استراحات.
4. النوم والتغذية الجيدة: لأن الدماغ المتعب لا يُنتج تركيزًا.
—
الخاتمة
فقدان التركيز ليس مرضًا، بل نتيجة طبيعية لعالمٍ مُصمَّم على جذب انتباهك طوال الوقت.
الخبر الجيد؟ يمكنك استعادة تركيزك.
الخبر الآخر؟ الأمر يتطلب وعيًا، وانضباطًا، وإرادة… لا أدوات سحرية.
في النهاية، أنت من يُقرّر لمن تمنح انتباهك…
فإما أن تظل طاقة مستهلكة، أو تُحوّلها إلى إنجاز.
![]()
