...
Img ٢٠٢٥٠٨٠٣ ١٧٥٥٤٣

كتب: حسين العلي 

هل رأيتَ يومًا زهرةً تبتسم؟ إن لم تفعل، فراقب وجه طفلٍ يضحك. تلك الضحكة، يا صديقي، ليست مجرد صوتٍ يعلو، بل هي أشبه بخرير نهرٍ عذب، يخترق صخور القلب اليابسة، ويبعث فيها الحياة. الأطفال لا يضحكون كما نضحك، ولا يعيشون كما نعيش. نحن نحمل على ظهورنا خزائن ممتلئة بالحسابات والمخاوف والتمثيل، وهم يكتفون بقميص من طين وأحلام من قطن.

إن جلستَ بينهم، ستشعر أنك غريبٌ في وطنٍ جميل. وطنهم لا يحتاج جواز سفر، ولا حدودًا ولا حراسًا، فقط يكفيك أن تخلع عنك عباءة الكِبَر، وترتدي بساطة الشعور.

الأطفال أشبه بمرايا ناصعة، إن اقتربت منهم بنقاء رأوا فيك أخًا لا غريبًا، وإن اقتربت وأنت تحمل بداخلك شظايا التكلف، أدركوك وهربوا. كم هم حكماء! كأنهم بوصلتنا حين تتوه أرواحنا في صخب الحياة.

دعني أضرب لك مثالا: نحن الكبار كالسفن العملاقة في البحر، نحمل أحمالًا ضخمة، ونتبع خرائط معقدة، بينما الأطفال كقوارب صغيرة، تمشي حيث تأخذها الريح، لا تخاف الغرق لأن البحر نفسه يبتسم لهم.

جرّب يا صديقي، أن تجلس كما اقترحتَ، وجها لوجه مع السماء، مع طفل أو حتى وحدك، وراقب الغيوم، وابتسم بدون سبب. جرب أن تتعارك في لعبة وهمية مع طفل، أن تخسر وتضحك، أن تُهزم في قفزة حبلى بالبهجة، وأن تربح حضنًا دافئًا من لا شيء.
نحتاج نحن الكبار لأن نعود إلى الطهر، لا لنصبح أطفالًا من جديد، بل لنستعيد الإنسان فينا الذي تاه في دهاليز الحسابات.

وهل في الدنيا، يا صاح، ما هو أطهر من قلبِ طفلٍ يضحك لك بلا سبب؟ لا يسألك من أنت، ولا يهمه كم تملك، يكفيه أنك تشاركه الكرة، أو تضحك على طرف نكتته التي لا تُفهم… لكنه يراك، يراك بعين لا تخطئ، عين صادقة، تفحص ما وراء وجهك، وتلتقط الحقيقة فيك مهما أخفيتها خلف ملامح “الرجل الكبير”.

إن ضحكة الطفل لا تُشترى، ولا تُستجدى، هي نعمة تُمنح لمن يستحقها، لمن يقترب بقلبٍ خفيف، بروحٍ لا تحاول فرض سلطتها ولا حِكمتها المُستعارة من كتب التنمية البشرية. الطفل لا يريدك معلمًا ولا واعظًا، يريدك شريكًا في دهشته، في زلاته، في أحلامه الملونة بالبسيط والمجنون.

وأنا مثلك لم أعد أرغب في كثير من أدوار “الكبار”. لا أريد أن أبدو على ما لا أشعر. لا أريد أن أضحك حين لا أريد، ولا أن أصمت حين تفيض بي الطفولة من الداخل. كل ما أريده هو أن أكون هناك، حيث لا حكم ولا تقييم، فقط جلسة على التراب، كرة من قش، وربما سماء فيها غيمة على هيئة أرنب، نضحك على شكلها، ونختلق لها اسمًا، ونقسم أنها كانت قبل قليل سمكة!

أتعرف ما أعنيه؟ أعني أنني أشتاق إلى إنسانيتي التي ضاعت في دهاليز المواعيد والاجتماعات والرسائل التي تبدأ بـ “عزيزي المحترم”، وتنتهي بـ “وتفضلوا بقبول فائق الاحترام”. أين تلك الرسائل التي تبدأ بـ “هيييه، تعال نلعب!” وتنتهي بـضحكة تشقّ القلب نصفين؟

عندما أكون قرب الأطفال، أشعر أنني أعود إلى نُسختي الأولى: ذلك الطفل الذي كان يسأل كثيرًا، ويحبّ من أول نظرة، ويبكي بحرقة ثم ينسى خلال دقيقة. أين ذهبنا؟ متى أصبحنا نحمل الهموم فوق جبهاتنا كما لو كانت أوسمة؟ متى فقدنا تلك البساطة التي تجعل عناقًا صغيرًا من طفل، أهم من ألف إنجاز وهمي؟

جرب أن تعيش لحظة واحدة لا تقول فيها “أنا رجل ناضج”، بل قل: “أنا إنسان”، يكفي. ووقتها فقط، حين تتخلى عن الأقنعة، سترى كم العالم أجمل حين يُرى بعين طفل، ويُحبّ بقلبه، ويُصادق بيده الصغيرة التي لا تعرف الخيانة.

تعالَ، لنجلس كما اتفقنا. لا تخف من الاتساخ، فالتراب صديقنا القديم. لن نحتاج شيئًا… فقط نحن والسماء. نحكي، ونضحك، ونتعارك على لعبة خيالية لا معنى لها، لكن معناها عندنا، عند الطفل فينا، أغلى من كل الواقع.

ولعلنا، في تلك اللحظة العابرة، نكتشف أننا لم نكن نبحث عن الطفولة لنسترجعها… بل كنا نبحث عن أنفسنا الضائعة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *