الكاتب محمود عبدالله
“من الحياة”
مع مرور الزمن، يختفي أحباؤنا شيئًا فشيئًا، إما بفراق أو بفقد. وتدريجيًا، يحاول الأفراد التأقلم مع واقع الحياة المرير.
ولكن، هل يستطيع أحدٌ فقد أحبائه واحدًا بعد الآخر في سن الطفولة أن يتأقلم ويعيش، ثم يفقد ونيسه وحبيبه بعد سنوات قليلة من ارتباطه به؟
ربما إذا قسنا عمر الارتباط، سيكون في أوائله كمرحلة الطفولة أيضًا؟
الإجابة: نعم، ولكن ليس الجميع يفعل ذلك.
ومن بين أيدينا، قصة كفاح مع الزمان لفتاة في عمر العشرين، ربما ذاقت وكابدت من الأحزان ما يجعلها في سن الخمسين، كمقياس لحجم خبرات الألم التي ذاقتها.
ما بين وفاة الأب، وترك الأم لها ولأختها لتتزوج، لم يكن الوقت بالكثير.
وفي ظل تلك الظروف، كانت في أمسّ الحاجة لوجود والدتها، ولكن لظروف زواج الأم قهرًا ورغمًا عنها إذ أنها كانت رافضة لفكرة الزواج تمامًا لكنها غُصبت على تلك الزيجة من أهلها، مع وعود بالاهتمام ببناتها.
كانت لا تلتقي بها إلا مرة واحدة، ثم تستمر الحياة في حجر خالها الذي رباها مع أبنائه. وكانت هي على قدر ذلك الاهتمام، حتى تم زواجها من أحد الأشخاص المحترمين جدًا، الذي حفظها، وأنجبت منه طفلتها الأولى، وأرجعها إلى التعليم الجامعي مرة أخرى، لتبتسم لها الحياة وتضحك من قلبها بعد سنين من البكاء.
ولكن، سرعان ما انطفأت الضحكة، ومُحيت الابتسامة من على وجهها.
فالمشكلات والوفيات تتوالى فوق رأس صديقتنا، التي لاقت ما لم يلاقِه أقوى الرجال.
فقد توفي زوجها بعد بضع سنوات من زواجهما.
مع كل تلك الوفيات والمعاناة التي أصبحت تلاقيها تلك الفتاة، وأنا أنظر إلى تلك القصة عن بُعد،
قلت في نفسي: “لو كان الموت رجلًا لقتلته”، نظرًا لموت كل من كان ظهرًا لتلك الفتاة البائسة.
ومع كل ذلك، كانت فتاة المعاناة قوية وصبورة.
ولكن المصائب لا تأتي فرادى، فقد تعرضت لبعض العسرات مع أسرة الزوج، والتي من خلال تكرارها، فقدت المأوى الوحيد الذي تمتلكه، وهو سكن الزوجية.
فتعرضت للاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، ولكنها تغلبت على ذلك بصبرها ومثابرتها لمواجهة تلك المآسي.
وسرعان ما تداركت الأمر خالتها، التي اضطرت تلك الفتاة اللجوء إليها بعد أن أصبحت بلا سكن يؤويها.
وأصبحت صديقتنا ما بين قهر الفراق بوفاة أحبتها على التوالي، وبين ظلم أهل الزوج والحياة معًا.
فصمدت، وواجهت هذا الواقع المرير، وعملت في إحدى المدارس بجانب دراستها في الجامعة، وترعى ابنتها في نفس الوقت.
وظلت ترتقي، وتواجه، وتكافح، حتى وصلت إلى مبتغاها بتحقيق النجاح، والوصول إلى شهادة الليسانس في علم النفس، وتعمل على مشروعها الأول مع إحدى صديقاتها.
انظروا لهذا النموذج القوي الذي يجب أن يُحتذى به.
لم تستسلم للانكسارات، ولا لآلام الفراق.
لم تترك الاكتئاب يسيطر عليها، بل واجهته بقوة، ودفعته بعيدًا عنها.
لم تشتكِ هول ما لاقت.
لم تنظر لمثيلاتها من السيدات، اللاتي لا يتركن الشكوى، بالرغم من وجود كافة الإمكانيات المتاحة لديهن.
الأب موجود، والزوج يرعاها، ولكنها تشتكي من عدم الاهتمام، الذي لو سعت قليلًا، ستحصل عليه، لأن مقومات الاهتمام موجودة بالفعل.
نموذج من الحياة يجعلنا نقف قليلًا ونتساءل:
هل نحن نولد مزودين بالقوة لمواجهة تلك الأزمات؟
أم أن القوة تولد من رحم المعاناة؟
![]()
