الكاتبة سلمى أسامة علام
بين الحافة والنجاة
هناك رجل يُدعى أحمد، في منتصف الثلاثينات، وهو أب لثلاثة أطفال.
بالنسبة للمظهر الخارجي لحياة أحمد، كان يبدو طبيعيًّا نوعًا ما؛ يحب عائلته بشكلٍ جنوني، ويعمل بجد طوال الوقت لتوفير حياة كريمة لهم.
ولكن بداخله شيء آخر، لم يكن يدري به، وعجز عن تفسيره لسنواتٍ عديدة.
شيرين، زوجته، كانت امرأة حنونة، ولكنها أيضًا كانت تشعر بارتباكٍ في علاقتها بزوجها.
هي كانت تعرف جيدًا أن زوجها مختلف، ولكنه في النهاية يحبها.
مع العلم أنه حب من نوعٍ خاص؛ كان يمر معها بلحظاتٍ من الحب الجارف، يعانقها بحنانٍ شديد، وكأنه يخشى فقدانها.
وفي نفس اللحظات، يتحول إلى شخصٍ غاضب، يصرخ على أتفه الأسباب.
كان يراها أحيانًا الزوجة المثالية، وكأنها ملاك، وأحيانًا أخرى يجدها لا تفهمه، وتحاول أيضًا أن تهجره.
حتى أطفاله كانوا يحبونه جدًّا، ولكنهم كانوا يخافون منه عند الغضب؛ فهو يغضب فجأة بلا سببٍ واضح.
وفي يوم، جاء آدم، ابنه الأوسط، ليريه رسمته الجديدة، فصاح الأب بالصراخ: اغرب عن وجهي!
وجرى آدم إلى غرفته مسرعًا وهو يبكي.
سكت الأب ثواني من الوقت، ثم أغلق باب المكتب، وجلس على الأرض، وأخذ يقول لنفسه:
أنا أبٌ فاشل… أنا زوجٌ فاشل… أنا عبءٌ عليهم.
وفي اليوم التالي، وبعد شجارٍ عنيف مع شيرين على سببٍ تافه كعادته، لم يكن يستحق كل هذا الغضب،
ذهب أحمد إلى مكتبه، وجلس وحيدًا، لا يسمع سوى تأنيب ضميره.
وجد باب غرفته يُفتح، ووجد ابنه الأصغر، حمزة، ينظر إليه وهو يرتجف، فقال له: أبي، إننا نحبك، فلماذا أنت لا تحبنا؟
كانت كلمات بسيطة، ولكنها كانت كالسيف في قلبه.
لم يدرك قبل هذه اللحظات أن ألمه الداخلي لم يؤذِه هو فحسب، بل آذى كل من حوله.
نادى أحمد على شيرين، وقصّ لها ما حدث مع حمزة.
نظرت له شيرين نظرةً عميقة، كلها حزن على ما يمر به زوجها،
فربّتت على يده، قائلة:
لا تخف، فأنا جانبك، ولن أتخلى عنك أبدًا.
وفي اليوم التالي، قررت شيرين أنها لن تترك زوجها يغرق في هذا الصراع.
جلست تبحث عن الأعراض التي يمر بها زوجها، وقررت أن تذهب به إلى طبيبٍ نفسي.
وبعد عدة جلسات، اكتشفت أن حبيب عمرها مصاب باضطراب الشخصية الحدّية.
وهنا، تفهّمت شيرين ما كان يمر به زوجها، وفسّرت كل الأحداث التي كانت تمر بها معه.
وبدأ أحمد العلاج النفسي، الذي تضمّن عدة مراحل، منها العلاج الجدلي السلوكي،
والذي ساعده على التحكم في عواطفه وتقلباته المزاجية،
وتلقّى العلاج الدوائي لتخفيف القلق والاكتئاب الذي كان يعاني منه.
وكانت شيرين تذهب معه، هي والأولاد، لبعض جلسات العلاج النفسي، لتفهم حالته وكيفية دعمه.
وشرحت لأولادها بشكلٍ مبسّط أن والدهم يمر بوقتٍ صعب، وأنه يحتاج إلى حبهم ودعمهم.
وكانوا يرسمون له رسوماتٍ صغيرة، ويكتبون له الرسائل لتشجّعه على اجتياز هذه المرحلة الصعبة.
ومع مرور الوقت، ومع الدعم الذي تلقّاه من عائلته، بدأت حالة أحمد تتحسّن.
لم تكن رحلةً سهلة، ولكنها علّمته كيف يسيطر على عواطفه، وكيف يعبّر عن نفسه دون أن يؤذي من حوله.
وفي أحد الأيام، كان جالسًا هو وأسرته يتناولون الغداء،
نظر لهم بابتسامة فخرٍ ورضا، وقال لهم: كنتم نور الأمل الذي جعلني أكمل مشواري… شكرًا لأنكم عائلتي.
ابتسمت شيرين، ودموعها تلمع في عينيها، قائلة: أنت خير الزوج، وخير الأب.
![]()
