...
IMG 20260824 WA0004

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

لم يكن الضوء الذي ظهر في نهاية الممر ضوء مصباح.

 

كان شيئًا آخر.

 

ضوءً خافتًا ينبعث من شقوق الجدران الحجرية، وكأن المكان نفسه كان يتنفس بعد سنوات طويلة من الصمت.

 

كان آدم في المقدمة، وليان بجواره، بينما كانت مريم وسامح خلفهما.

 

أما فارس…

 

فلم يعد أحد يراه.

 

قالت ليان وهي تنظر خلفها:

 

“فارس اختفى.”

 

رد سامح:

 

“هو لم يختفِ.”

 

نظر إليه آدم.

 

“إذن أين ذهب؟”

 

“بقي فوق.”

 

“لماذا؟”

 

تردد سامح قبل أن يقول:

 

“لأنه يعرف أن وجود شخص في الخارج أهم من وجوده معنا.”

 

لم يقتنع آدم.

 

لكن قبل أن يسأله، ظهر نقش جديد على الجدار.

 

كان نفس الرمز الموجود على الخاتم والقلادة.

 

اقترب آدم منه.

 

فقالت مريم:

 

“لا تلمسه.”

 

توقف.

 

“لماذا؟”

 

“لأننا لا نعرف ماذا يحدث عندما يتفاعل معه شخص غير حامل للخاتم.”

 

قال آدم:

 

“وأنا حامل الخاتم.”

 

“لكن هذا لا يعني أنك تعرف كيف تستخدمه.”

 

نظر إلى الرمز.

 

ثم قال:

 

“إذن كيف نعرف؟”

 

أجابت:

 

“والداك تركا لكما الإجابة.”

 

أخرجت الدفتر الجلدي.

 

فتحت صفحة جديدة.

 

كان فيها رسم للخاتم والقلادة، وتحتهما أربعة رموز.

 

قالت:

 

“هذه ليست تعليمات.”

 

سأل آدم:

 

“إذن ماذا تكون؟”

 

قالت:

 

“اختبار.”

 

اقتربت ليان.

 

“اختبار لأي شيء؟”

 

أجابت مريم:

 

“لمعرفة من يستطيع الوصول إلى الحقيقة دون أن يستخدمها لمصلحته.”

 

قال آدم:

 

“وكيف ننجح؟”

 

أشارت إلى الجدار.

 

“لا أعرف.”

 

ساد الصمت.

 

ثم قال سامح:

 

“ربما لأننا نحاول فهمه بعقلنا الحالي.”

 

نظر إليه آدم.

 

“ماذا تقصد؟”

 

قال:

 

“هذه الرموز كتبت بطريقة تعتمد على الضوء والظل.”

 

نظر آدم إلى الجدار.

 

ثم أطفأ المصباح.

 

فجأة…

 

اختفت كل النقوش.

 

وبقي رمز واحد فقط ظاهرًا.

 

كان على شكل عين.

 

قالت مريم:

 

“أعد تشغيل الضوء.”

 

فعل.

 

اختفى الرمز.

 

نظر آدم إلى ليان.

 

ثم قال:

 

“المكان لا يريد منا أن نرى كل شيء في نفس الوقت.”

 

اقتربت ليان من الجدار.

 

رفعت قلادتها.

 

وفي اللحظة التي اقتربت فيها من الرمز…

 

ظهر ضوء قوي.

 

ثم انفتح جزء من الجدار.

 

ظهر خلفه ممر آخر.

 

لكن هذه المرة…

 

كان الممر مضاءً بالكامل.

 

قال سامح:

 

“هذا لم يكن موجودًا في الخرائط.”

 

سألته مريم:

 

“أنت متأكد؟”

 

“أنا عشت هنا فترة طويلة.”

 

نظر إليها.

 

“لم أر هذا الممر قط.”

 

دخل آدم أولًا.

 

ثم ليان.

 

وبعد خطوات قليلة…

 

توقف.

 

كانت أمامهم قاعة واسعة.

 

لم تكن مدينة.

 

ولم تكن مقبرة.

 

كانت أشبه بمكتبة ضخمة محفورة بالكامل داخل الصخر.

 

رفوف حجرية تمتد على الجدران.

 

وعليها عشرات الصناديق والألواح.

 

وفي المنتصف…

 

كانت هناك دائرة كبيرة مرسومة على الأرض.

 

داخلها أربع فتحات.

 

واحدة للخاتم.

 

وأخرى للقلادة.

 

وثالثة للمفتاح الأسود.

 

أما الرابعة…

 

فكانت فارغة.

 

قال آدم:

 

“هناك قطعة ناقصة.”

 

قالت مريم:

 

“نعم.”

 

سأل:

 

“أين هي؟”

 

لم تجب.

 

ثم اقتربت ليان من إحدى الرفوف.

 

وجدت صندوقًا صغيرًا.

 

فتحته.

 

في داخله…

 

صورة قديمة.

 

كانت لوالدها.

 

لكن خلفه كان يقف رجل آخر.

 

نظر آدم إلى الصورة.

 

ثم تجمد.

 

“هذا الرجل…”

 

قالت مريم:

 

“ماذا؟”

 

رفع الصورة.

 

“إنه الرجل الذي رأيناه في القطار.”

 

تغير وجه سامح.

 

أخذ الصورة من يده.

 

ظل ينظر إليها طويلًا.

 

ثم قال:

 

“لا يمكن.”

 

سأله آدم:

 

“لماذا؟”

 

أجاب:

 

“هذه الصورة عمرها أكثر من عشرين عامًا.”

 

قال آدم:

 

“وما المشكلة؟”

 

نظر إليه سامح.

 

“الرجل الموجود فيها مات قبل عشرين عامًا.”

 

ساد الصمت.

 

قالت ليان:

 

“لكننا رأيناه.”

 

أومأ سامح.

 

“وأنا أعرف.”

 

ثم قلب الصورة.

 

كان خلفها سطر مكتوب:

 

“إذا عاد الرجل الذي مات، فاعلموا أن الحارس الأخير قد استيقظ.”

 

قال آدم:

 

“ما معنى الحارس الأخير؟”

 

لم يجب أحد.

 

وفجأة…

 

صدر صوت من عمق القاعة.

 

صوت معدني قديم.

 

ثم أضاءت دائرة في منتصف الأرض.

 

ظهرت عليها كلمات بلغة قديمة.

 

بدأت مريم في قراءتها.

 

ثم توقفت.

 

قال آدم:

 

“ماذا؟”

 

قالت:

 

“هذه ليست لغة مصرية قديمة فقط.”

 

“إذن؟”

 

“هناك كلمات حديثة بينها.”

 

نظر إليها سامح.

 

“مستحيل.”

 

قالت:

 

“انظر بنفسك.”

 

كانت هناك جملة واضحة بين الرموز.

 

قرأها آدم:

 

“لا تبحثوا عن المدينة… فالمدينة تبحث عنكم.”

 

ارتجفت ليان.

 

“كيف يمكن لمكان أن يبحث عن أشخاص؟”

 

لم تجب مريم.

 

لأن شيئًا آخر بدأ يحدث.

 

تحركت الأرض تحت أقدامهم.

 

ثم انقسمت الدائرة إلى أربعة أجزاء.

 

خرج من الجزء الأول ضوء حول الخاتم.

 

ومن الثاني ضوء حول القلادة.

 

أما الثالث…

 

فأضاء وحده.

 

كان مكان المفتاح الأسود.

 

لكن الجزء الرابع ظل مظلمًا.

 

اقترب آدم من الدائرة.

 

ثم سمع صوتًا.

 

ليس من حوله.

 

بل داخل رأسه.

 

صوت رجل يقول:

 

“آدم…”

 

تراجع.

 

قالت ليان:

 

“ما بك؟”

 

نظر إليها.

 

“سمعت صوت أبي.”

 

تغير وجه مريم.

 

“ماذا قال؟”

 

أجاب:

 

“قال اسمي.”

 

ثم سمعه مرة أخرى.

 

لكن هذه المرة كان أوضح:

 

“لا تثق في مريم.”

 

نظر آدم إليها.

 

سادت لحظة صمت ثقيلة.

 

قالت مريم:

 

“أبوك قال لك ذلك؟”

 

أومأ.

 

ابتسمت مريم بحزن.

 

“إذن وصلنا إلى المرحلة التي كنت أخشاها.”

 

سألها آدم:

 

“أي مرحلة؟”

 

قالت:

 

“المدينة بدأت تتفاعل مع ذاكرتك.”

 

قال سامح:

 

“وهذا يعني أن القطعة الرابعة قريبة.”

 

سأله آدم:

 

“أين؟”

 

أجاب:

 

“مع الشخص الذي يحملها.”

 

“من هو؟”

 

صمت سامح.

 

ثم قال:

 

“لا أعرف.”

 

قال آدم:

 

“لكن أنت قلت إنك تعرف كل شيء.”

 

“قلت إنني أعرف جزءًا من الحقيقة.”

 

ثم نظر إلى ليان.

 

“لكن هناك شيء واحد لم نخبرك به.”

 

قالت:

 

“ماذا؟”

 

قال سامح:

 

“والداكما لم يخفيا القطعتين فقط.”

 

توقف.

 

“لقد أخفيا شخصًا ثالثًا أيضًا.”

 

تجمدت ليان.

 

“شخصًا؟”

 

أومأ.

 

“طفلًا.”

 

نظر آدم إليه.

 

“أي طفل؟”

 

قال:

 

“الطفل الذي كان يحمل القطعة الرابعة.”

 

شعر آدم بقشعريرة.

 

“وماذا حدث له؟”

 

أجاب سامح:

 

“اختفى في الليلة نفسها التي اختفيتما فيها.”

 

سألته ليان:

 

“هل مات؟”

 

قال:

 

“لا نعرف.”

 

ثم نظر إلى الباب الحجري في نهاية القاعة.

 

“لكن إذا كان حيًا…”

 

توقّف.

 

ثم قال:

 

“فهو الشخص الوحيد القادر على فتح الباب الأخير.”

 

تقدم آدم نحو الباب.

 

كان عليه نقش لثلاثة أشخاص يقفون أمام بوابة ضخمة.

 

وفوقهم رمز واحد.

 

نفس الرمز الموجود على قلادة ليان.

 

قالت مريم:

 

“لا تفتحوه.”

 

التفت إليها آدم.

 

“لماذا؟”

 

قالت:

 

“لأننا لا نعرف ماذا يوجد خلفه.”

 

قال آدم:

 

“وهذا بالضبط سبب وجوب فتحه.”

 

اقتربت ليان منه.

 

“آدم…”

 

نظر إليها.

 

قالت:

 

“لو فتحناه، قد لا نعود.”

 

أمسك يدها.

 

“ولو لم نفتحه، هنفضل طول عمرنا نهرب من حاجة مش فاهمينها.”

 

نظرت إليه.

 

ثم أومأت.

 

اقتربا من الباب.

 

وضع آدم الخاتم في مكانه.

 

وضعت ليان القلادة.

 

وانتظرا.

 

لم يحدث شيء.

 

ثم تذكر آدم المفتاح الأسود.

 

أخرجه.

 

ووضعه في التجويف الثالث.

 

صدر صوت عميق.

 

لكن الباب لم يفتح.

 

بقي التجويف الرابع فارغًا.

 

قالت مريم:

 

“لا يمكن فتحه.”

 

وفجأة…

 

وصل صوت من خلفهم.

 

صوت امرأة.

 

هادئ.

 

واضح.

 

قال:

 

“بل يمكن.”

 

استدار الجميع.

 

كانت هناك امرأة تقف عند مدخل القاعة.

 

لم تكن مريم.

 

ولم تكن ليان.

 

كانت تحمل شيئًا في يدها.

 

شيئًا صغيرًا يلمع تحت الضوء.

 

تقدم آدم خطوة.

 

ثم اتسعت عيناه.

 

كانت تحمل…

 

القطعة الرابعة.

 

وقالت:

 

“لكن قبل أن أعطيكم إياها…”

 

نظرت إلى آدم وليان.

 

ثم قالت:

 

“أريد أن أعرف أي واحد منكما أخبرته مريم بالحقيقة كاملة.”

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *