الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
ظل الجميع ينظر إلى المرأة الواقفة عند مدخل القاعة.
كانت تمسك القطعة الرابعة بين أصابعها.
قطعة صغيرة من معدن داكن، تتوسطها دائرة دقيقة تشبه عينًا مفتوحة.
لم يكن آدم يعرف لماذا شعر، بمجرد رؤيتها، بأن هذا الشيء ليس مجرد جزء من مفتاح.
كان هناك شيء غريب فيها.
شيء جعله يشعر أنها تراقبه.
قالت المرأة مرة أخرى:
“قبل أن أعطيكم القطعة… أريد أن أعرف أي واحد منكما أخبرته مريم بالحقيقة كاملة.”
نظر آدم إلى مريم.
ثم إلى ليان.
ثم عاد إلى المرأة.
قال:
“أنتِ من؟”
ابتسمت.
“هذا ليس سؤالي.”
قال آدم:
“وأنا مش هجاوب على سؤال قبل ما أعرف أنتِ مين.”
اقتربت المرأة خطوة.
“لو كنت تريد معرفة من أنا، اسأل مريم.”
التفت الجميع إليها.
كانت مريم شاحبة.
قالت المرأة:
“قولي لهم.”
لم تتحرك مريم.
فقالت ليان:
“ماذا تعرفين عنها؟”
ضحكت المرأة بخفة.
“أعرف عنها أكثر مما تعرفه هي عن نفسها.”
تقدم سامح.
“كفى.”
نظرت إليه.
“أنت بالذات لا يحق لك أن تتحدث.”
تجمد سامح.
قال آدم:
“ماذا تقصدين؟”
ردت:
“اسأله عن الليلة التي اختفى فيها والدك.”
نظر آدم إلى سامح.
“ماذا حدث؟”
قال سامح:
“لا تستمع إليها.”
صرخت ليان:
“كل واحد فيكم يقول لنا لا نسمع لغيره!”
ثم نظرت إلى الجميع.
“من فيكم سيقول الحقيقة؟”
ساد الصمت.
اقتربت المرأة من الدائرة الحجرية.
وضعت القطعة الرابعة فوق التجويف الفارغ.
ثم قالت:
“أنا سأقولها.”
وفجأة…
أضاءت القطع الأربع.
الخاتم.
القلادة.
المفتاح الأسود.
والقطعة الرابعة.
وانطلقت من الدائرة أربعة خطوط ضوئية امتدت فوق أرض القاعة، حتى التقت في نقطة واحدة.
ثم ظهر أمامهم نقش جديد.
كان يصور طفلين يقفان أمام بوابة.
وبجوار كل طفل رجل.
لكن المفاجأة كانت أن الطفلين لم يكونا آدم وليان فقط.
كان هناك طفل ثالث.
أصغر منهما.
تراجعت ليان.
“هذا هو الطفل الذي تحدث عنه سامح.”
قالت المرأة:
“نعم.”
نظر آدم إلى الصورة.
“من هو؟”
قالت:
“اسمه يونس.”
تغير وجه مريم.
لاحظ آدم ذلك.
“أنتِ تعرفينه.”
قالت مريم بصوت خافت:
“كان ابن ياسر.”
توقف آدم.
“أخوك؟”
أومأت.
“نعم.”
قالت ليان:
“إذن القطعة الرابعة كانت معه.”
“نعم.”
“وماذا حدث له؟”
خفضت مريم عينيها.
“اختفى.”
قال آدم:
“معنا؟”
“في الليلة نفسها.”
ثم أضافت:
“لكن يونس لم يكن طفلًا عاديًا.”
سأل آدم:
“كيف؟”
قالت:
“كان يحمل العلامة.”
نظر آدم إلى يده.
“أي علامة؟”
أشارت إلى معصمه.
كان هناك أثر صغير لم ينتبه إليه من قبل.
دائرة دقيقة تشبه الرمز الموجود على القطعة الرابعة.
حدق آدم فيها.
“أنا عندي العلامة دي من وأنا صغير.”
قالت المرأة:
“وأنا أعرف.”
اقتربت منه.
“لأنها لم تكن فيك وحدك.”
نظرت إلى ليان.
كانت تحمل العلامة نفسها.
تجمدت ليان.
“مستحيل.”
قالت المرأة:
“والطفل الثالث كان يحملها أيضًا.”
سأل آدم:
“إذن لماذا لم نعرفه؟”
أجابته:
“لأن والديكما أخفياه عنكما.”
“لماذا؟”
“لأن وجود ثلاثة من حاملي العلامة في مكان واحد كان خطرًا.”
سأل سامح:
“من أين عرفتِ كل هذا؟”
نظرت إليه.
“لأنني كنت هناك.”
اقتربت مريم.
“أنتِ…”
قالت المرأة:
“نعم.”
ثم أضافت:
“أنا كنت واحدة من آخر الأشخاص الذين رأوا يونس.”
سأل آدم:
“أين هو الآن؟”
صمتت.
ثم قالت:
“لا أعرف.”
رفع آدم صوته:
“كيف لا تعرفين؟!”
أجابته:
“لأنني كنت طفلة مثلكم وقتها.”
ساد الصمت.
ثم أضافت:
“لكنني أتذكر شيئًا واحدًا.”
“ماذا؟”
“في الليلة التي اختفيتم فيها…”
نظرت إلى مريم.
“…لم يكن يونس هو من اختفى.”
تجمدت مريم.
قالت:
“لا.”
ردت المرأة:
“أنت تعرفين أنني أقول الحقيقة.”
قال آدم:
“إذن من الذي أخذ يونس؟”
نظرت إليه.
“والدك.”
توقف الزمن للحظة.
قال آدم:
“أبي؟”
“نعم.”
تدخل سامح:
“هذا غير صحيح.”
نظرت إليه المرأة.
“كنت هناك يا سامح.”
قال:
“كنت طفلًا.”
“لكنني كنت أراك.”
ثم التفتت إلى آدم.
“والدك أخذ يونس معه.”
سأل آدم:
“لماذا؟”
قالت:
“لأن يونس كان يحمل شيئًا أخطر من القطعة الرابعة.”
“ماذا؟”
نظرت إلى القطعة في يدها.
“الذاكرة.”
قالت ليان:
“لا أفهم.”
أجابت:
“القطعة الرابعة لا تفتح الباب.”
ثم رفعتها.
“إنها تحفظ ما حدث.”
“كل شيء.”
“كل ما حدث في الليلة التي اختفى فيها آباؤكم.”
شعر آدم بقشعريرة.
“يعني ممكن نعرف الحقيقة؟”
قالت:
“إذا عرفتم كيف تستخدمونها.”
سألها:
“وكيف؟”
ابتسمت.
“أنتم الثلاثة.”
“ماذا؟”
“آدم وليان ويونس.”
“لا يمكن فتح الذاكرة كاملة إلا بوجود الثلاثة.”
سأل آدم:
“لكن يونس مختفٍ.”
أجابته:
“ليس تمامًا.”
تغير وجهه.
“ماذا تقصدين؟”
قبل أن تجيب…
صدر صوت من خلف الباب الحجري.
ثلاث طرقات.
ثم صمت.
ثم ثلاث طرقات أخرى.
تراجعت مريم.
قال سامح:
“هذا مستحيل.”
سأل آدم:
“ماذا؟”
قال سامح:
“هذا هو رمز يونس.”
نظر الجميع إلى الباب.
بدأت القطعة الرابعة تهتز في يد المرأة.
ثم ظهر على سطحها نقش جديد.
ثلاثة أحرف فقط.
يـ و ـن
قالت ليان:
“يونس.”
اقترب آدم من الباب.
وضع يده عليه.
وفجأة…
سمع صوتًا.
صوت شاب.
واضح.
هادئ.
جاء من خلف الباب:
“آدم…”
تجمد.
ثم قال الصوت:
“ليان…”
شهقت ليان.
اقتربت من الباب.
“يونس؟”
جاء الرد:
“أخيرًا.”
نظر آدم إلى مريم.
كانت تبكي.
قال:
“أنتِ كنتِ تعرفين أنه حي.”
هزت رأسها.
“لم أكن متأكدة.”
ثم جاء صوت يونس مرة أخرى:
“لا تثقوا بها.”
نظر آدم إلى مريم.
لكن الصوت أكمل:
“ولا تثقوا بالرجل الذي يقف خلفكم.”
استدار الجميع.
كان سامح واقفًا في مكانه.
لكن فارس…
لم يكن موجودًا.
قال آدم:
“أين فارس؟”
لم يجب أحد.
ثم سمعوا صوت باب يُغلق خلفهم.
التفتوا.
كان مدخل القاعة قد أُغلق تمامًا.
وفي اللحظة نفسها…
انطفأت جميع الأضواء.
ثم ظهر ضوء واحد فقط.
كان مسلطًا على مريم.
وسمعوا صوت يونس للمرة الأخيرة:
“قبل أن تفتحوا الباب…”
توقف.
ثم قال:
“اسألوا مريم لماذا قتلت أخيها.”
ساد صمت مرعب.
رفع آدم عينيه إلى مريم.
ولأول مرة منذ بدأت الرحلة…
لم يرَ الخوف في عينيها.
بل رأى شيئًا آخر.
رأى امرأة تعرف أن السر الذي أخفته خمسةً وعشرين عامًا…
قد حان وقت ظهوره.
انتظر الجزء القادم
![]()
