الكاتبة أمل سامح
كان الضباب يزحف على الأرصفة كصدرٍ يعلو ويهبط بصعوبة.
كلّ المباني تتنفس… تسمعها وهي تزفر صدأها بين الشقوق.
أقف في منتصفها، أسمع نبضها من تحت البلاط، كأنها تحاول النجاة من نفسها.
الهواء رماديّ، يلسع الجلد مثل جلدٍ يرفض أن يُشفى.
عجلات العربات متوقفة منذ زمن، لكن صوتها لا يزال يدور في رأسي.
رائحة المعدن تملأ فمي، وطعمها كدمٍ باردٍ على اللسان.
المدينة تغمض نوافذها كجفونٍ خائفة، تصدر أنينًا خافتًا لا يسمعه غيري.
على الجدار لوحة باهتة بلون أزرقٍ محتضر، تتقشّر كجلدٍ يحاول التخلّص من ذاكرته.
الشارع أسود، مثل فمٍ مفتوحٍ على صرخةٍ لم تخرج بعد.
أضع يدي على الحائط… أشعر بحرارته، كأن أحدهم يختبئ خلفه.
ثم رأيته.
طفلٌ صغير يسير على الرصيف وحيدًا، يحمل في يده بالونًا أحمر.
كلما اقتربتُ منه، ابتعد أكثر… حتى صار ظلّه أطول من جسده.
سألته: “من معك؟”
فأجاب دون أن يلتفت: “المدينة.”
صوته اخترقني كإبرةٍ مبلّلةٍ بالزئبق.
تراجعتُ، والمدينة كلّها ارتجفت معي.
الأنوار بدأت تومض كعيونٍ ترمش في نوبة خوفٍ جماعية.
رأيت وجوهًا خلف الزجاج، جامدة، تحدّق بي دون أن تفتح أفواهها.
صوتٌ في صدري قال: “أنتَ لستَ المفقود… أنتَ آخر من استيقظ.”
حينها فقط فهمتُ…
أنّ المدينة لم تتوقّف عن الحياة أبدًا،
بل أنا الذي توقّفت عنها.
![]()
