...

الببلومانيا

أكتوبر 29, 2025
Img 20251022 wa0108

 

 

الكاتب حسين العلي

 

بينما كانت شمسٌ ذهبيةٌ تتسلل عبر النافذة، تُلقي بأشعتها الناعسة على رفوف الكتب العتيقة، كان جالساً في ركنه المفضل، محتضناً فنجان قهوته السوداء الذي يتصاعد منه بخارٌ رفيعٌ كأنه نفسُ المعرفة الأخير. كانت عيناه تتجولان بين العناوين المذهبة على جلود الكتب، وكأنه يخاطب أرواحاً حاضرةً لا أوقاناً غائبة. كان الجو من حوله مُشبعاً برائحة الورق القديم وعبق الحبر، وكأن المكان كله عبارة عن رئةٍ واحدةٍ تتنفس حكايات الأزمنة الغابرة.

 

وفي تلك اللحظة التي بدا فيها وكأنه يخاطب العالم بأسره، رفع رأسه ببطء، وتطلع إلى والديه اللذين كانا يتابعانه بعيونٍ مليئةٍ بالدهشة والحب، وقال بصوتٍ هادئٍ لكنه كان يتردد في أرجاء الغرفة كرنين الجرس: “أنا مصاب بالببلومانيا!”

 

سقطت الكلمة كصخرةٍ في بركةٍ ساكنة. لم تكن مجرد كلمة، بل كانت قنبلةً من الغموض والغرابة. رأى كيف ارتسم الذهول على وجه أمه وكيف تشنجت أصابعها وهي تمسك بمنديلها، وكأنها تبحث عن شيءٍ تتشبث به في بحرٍ من الحيرة. أما والده، فكان وقعه عليه كالصاعقة، فلم يستطع إلا أن يحدق في ابنه بعينين واسعتين، تساؤلهما الصامت أقسى من أي صرخة: أي جنون هذا الذي يتحدث عنه الولد؟ أي مرضٍ غامضٍ ألمّ به؟

 

لو أنه قال: “أنا مفتون بالكتب” أو “هوايتي جمع الكتب” لكان الأمر مختلفاً. لكنه اختار ذلك المصطلح الغريب، “الببلومانيا”، الذي حمل في أحرفه نفحةً من الجنون والهوس، فأثار الرعب في قلبَي أحب الناس إليه. لقد أراد أن يبدو مثقفاً، ففجّع أمه وروّع أباه.

 

لو أنه فكر للحظة واحدة في تأثير الكلمات، لاختار غيرها. لكن سحر المصطلحات النادرة كان أقوى منه، فانجرف وراء رغبته في الظهور بمظهر العالم المتعمق، غافلاً عن أن الجمال الحقيقي يكمن في البساطة والوضوح، لا في التعقيد والغموض. لقد كان بإمكانه أن يقول: “أنا عاشق للكتب” أو “الكتب هي شغفي الأكبر”، فتُفهم الكلمات وتُقبل، بدلاً من أن تثير القلق والخوف.

 

ترى، ما الذي يدور في عقل شابٍ يختار مثل هذه الكلمات لوصف شغفه؟ أهو حبٌ حقيقي للمعرفة، أم رغبة في التميز والاختلاف؟ أهو تعطشٌ للثقافة، أم لهثٌ وراء صورةٍ ذهنيةٍ يريد أن يرسمها عن نفسه في أذهان الآخرين؟

 

لو أنه جلس مع نفسه ليراجع دوافعه، لربما اكتشف أن حبه للكتب حقيقي، لكن طريقة التعبير عنه كانت متكلفة. فالحب الحقيقي لا يحتاج إلى مصطلحات معقدة ليعبر عن نفسه، بل تفيض به العيون، وتترجمه السلوكيات، وتظهر آثاره في كل كلمةٍ وحركة.

 

إن “الببلومانيا” قد تكون مجرد كلمة، لكنها حملت في طياتها معانٍ كثيرةً بالنسبة لأمه وأبيه. بالنسبة لهما، كانت الكلمة تعني المرض والاختلال، تعني أن ابنهما قد سقط في براثن هوسٍ غامض، وأنه لم يعد ذلك الولد الذي يعرفانه. لقد خافا عليه من عالمٍ لا يفهمانه، من شغفٍ يبدو لهما كالنار التي قد تلتهمه.

 

لكن الحقيقة كانت أبسط من ذلك بكثير. لقد كان شاباً عادياً، يحب القراءة، ويجد في الكتب متعته وملاذه. لكن رغبته في أن يبدو “مثقفاً” جعلته يلبس حبه للكتب ثوباً من الغرابة والتعقيد، فحول شيئاً جميلاً إلى مصدرٍ للقلق والخوف.

 

لو أنه شرح لهما بهدوء معنى الكلمة، وروى لهما كيف أن “الببلومانيا” مجرد وصفٍ لهوس جمع الكتب، لا مرضٍ خطير، لربما تبددت مخاوفهما. لكن الصدمة الأولى كانت قاسية، والكلمة تركت أثراً عميقاً في نفسيهما.

 

إن الكلمات سلاح ذو حدين، قد تبني وقد تهدم، قد تقرب وقد تبعد. وكثيراً ما ننسى قوة الكلمات، فنستخدمها بلا وعي، غافلين عن تأثيرها في نفوس الآخرين.

 

قد تكون هذه الحادثة درساً للجميع. درسٌ في أهمية التواضع في استخدام المعرفة، وضرورة مراعاة مشاعر الآخرين عند التعبير عن الذات. فالثقافة الحقيقية ليست في استخدام المصطلحات المعقدة، بل في القدرة على توصيل المعرفة بأبسط وأجمل صورة.

 

لقد تعلم الولد أن المثقف الحقيقي ليس من يثرثر بالمصطلحات الغريبة، بل من يستطيع أن يجعل المعرفة في متناول الجميع، بلغةٍ واضحةٍ جميلة، تصل إلى القلب قبل العقل. وبعد ذلك اليوم، لم يعد يحتاج إلى كلماتٍ معقدةٍ ليعبر عن حبه للكتب، فقد اكتشف أن أصدق الكلمات هي أبسطها.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *