الكاتبة رفيدة فتحي
كانت معالم الحزن والكآبة مرسومة على وجوه الفتيات والنساء، وتعلو أصوات صيحاتهن أركان المسجد، لأجل وفاة جارتهم “عاده”.
هذه السيدة العجوز التي تجلس على الكرسي تتابعهن في صمتٍ تام.
وبعد أداء الإمام صلاة العصر، بدأ في أداء صلاة الجنازة مباشرة، فهدأت النفوس قليلاً.
ولكن بعد قليل، ارتفعت أصوات الشهيق والهمهمات تدريجياً، عندما دعا الإمام بخشوع، وطالت دعواته لهذه المرأة.
انتهت الصلاة، وعزمت سيدة من بين الحاضرات، متوسطة القامة، يختفي جمالها خلف غمامة الحزن التي حلّت بها، فتقدمت بصندوق صغير خشبي، مشجعةً للجمع الحاشد أمام باب المسجد، بالتصدق بمبالغ من المال ليكون صدقة جارية على صديقتها، لعلها تكون نوراً لها في قبرها ورفعاً لدرجاتها.
تسابق الحاضرون إلى فتاة تقف على حافة الباب، تنظر إليهم مترددة، أتضع بعض المال كما يفعلون؟
وبعد قليل من التفكير، حدّثت نفسها: “إن لم أفعل مثلهم، سيظن البعض أنني بخيلة”.
ثم أدخلت يدها داخل شنطتها القماشية، وقامت بوضع المال داخل الصندوق مثل البقية.
مرت الأيام بعد هذه الحادثة، وسحبت مكة كتاب _بداية الهداية_ من مكتبتها الصغيرة لتشرع في القراءة كعادتها.
قلّبت صفحة تلو الأخرى، بعد أن جلست على مكتبها، فوقعت عينها على تعريف الإخلاص الذي عرفته الشيخة أم تميم، وهو: أن يعمل العبد العمل يريد به وجه الله، لا يريد الثناء والمدح من الناس، ولا يريد تحصيل مصلحة دنيوية.
ثم صمتت قليلاً، وقرأت قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
“إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، وابتُغي به وجهه.”
وقول الله عز وجل في الحديث القدسي:
*”أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشِركه.”*
تأملت قليلاً في الحديثين، وسرعان ما تذكرت تلك الصدقة التي أخرجتها من أجل الناس.
بدأ شعور اليأس يتسرّب بداخلها، فهي لم تعد تستطيع أن تتخلص من هذا الذنب الكبير.
ولكن تذكرت تلك الدعوات التي سمعتها في أحد محاضرات شيختها، أن تدعو الله أن يخلق لها إرادة تبتعد بها عن الرياء، وقدرة على الإخلاص في العمل.
ثم همست تدعو:
اللهم اخلق لي إرادة أبتعد بها عن الرياء، واخلق لي القدرة على الإخلاص في العمل.
![]()
